المطلع
عاجل

post-image

الجبهة التي لن تسقط... كيف حوّل الإيرانيون الشوارع إلى خط الدفاع الأول

الكاتب: ادارة الموقع


16:05 مقالات عامة
2026-05-10
5385

في الحروب الكبرى لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من صواريخ وطائرات وأنظمة دفاع، بل بما تملكه من قدرة على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية وصمود شعبها في وجه العواصف. 

ومنذ اللحظات الأولى للحرب على إيران، بدا واضحاً أن الشارع الإيراني اختار أن يخوض معركته بطريقته الخاصة، حين تحولت الساحات والميادين إلى مشهد يومي مكتظ بالحشود التي خرجت لتعلن وقوفها إلى جانب الدولة في مواجهة واحدة من أعنف الحملات العسكرية والسياسية والإعلامية التي تعرضت لها البلاد، فبين القصف والتهديدات ومحاولات بث الخوف والانهيار، رسم الإيرانيون صورة مختلفة عنوانها الصمود والوحدة والتحدي، في رسالة مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب والعالم بأن الداخل الإيراني أكثر تماسكاً مما كان يُتوقع.

منذ الأيام والساعات الأولى للحرب العدوانية على إيران، تشكل مشهد غير مألوف في المدن الإيرانية تمثل بخروج حشود كبيرة من المواطنين إلى الساحات والميادين العامة بشكل يومي ولساعات طويلة، في ظاهرة تحولت سريعاً إلى واحدة من أبرز ملامح الحرب وأكثرها تأثيراً على المستوى الداخلي والخارجي. 

فمع الضربة التي استهدفت القيادة الإيرانية ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى وغيرهم، بدا واضحاً أن الشارع الإيراني اتجه بصورة تلقائية نحو إظهار حالة الالتفاف الشعبي حول الدولة والنظام السياسي في مواجهة العدوان، في رسالة أراد الإيرانيون إيصالها إلى الداخل والخارج بأن الحرب لم تُضعف الجبهة الداخلية كما كان يُراد لها، بل دفعت الشعب إلى مزيد من التماسك والحضور في الميدان.

وفي هذا السياق، أشار الكاتب والمحلل السياسي الدكتور رياض الأخرس، في مقالة تابعتها وكالة المطلع، إلى أن التجمعات الشعبية التي انطلقت منذ بداية الحرب "بدأت عفوية بدافع الإحساس بضرورة الوقوف إلى جانب البلاد التي تتعرض للعدوان"، قبل أن تتحول سريعاً إلى حالة جماهيرية واسعة لعبت دوراً استثنائياً في تثبيت الأمن الداخلي ورفع المعنويات وبث روح الحماس بين الإيرانيين.

ومع استمرار الحرب، لم تعد تلك التجمعات مجرد مشاهد تضامن عابرة، بل تحولت إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي اليومي على الموقف الوطني الإيراني. 

فالنزول المتواصل إلى الشوارع والساحات العامة حمل دلالات سياسية ومعنوية كبيرة، إذ أراد الإيرانيون من خلاله توجيه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم بأجمعه بأن الشعب يقف خلف بلده ومؤسساته السياسية والعسكرية في مواجهة الحرب، وأن محاولات كسر إرادة الداخل الإيراني أو بث الخوف والانهيار بين المواطنين قد فشلت بصورة واضحة. 

كما عكست هذه المشاهد حجم التأييد الشعبي للإجراءات التي اتخذتها القيادة الإيرانية في إدارة المواجهة، وسط شعور عام بأن البلاد تخوض معركة وجود وسيادة تتطلب وحدة داخلية وصموداً جماعياً.

كثير من المشاركين في هذه التجمعات تحدثوا عن أن اللحظات الأولى للعدوان خلقت لديهم حالة من الخوف والاضطراب، إلا أن التواجد الجماعي في الساحات بدد تلك المشاعر سريعاً.

نساء ورجال من مختلف الأعمار أكدوا أن المشاركة اليومية منحتهم شعوراً بالقوة والعنفوان والثبات، وأن رؤية الحشود الكبيرة وهي ترفع الأعلام وتردد الشعارات الوطنية والأناشيد الحماسية عززت لديهم الإحساس بأن إيران بأكملها تقف صفاً واحداً في مواجهة الحرب. 

وبحسب إحدى المشاركات في تجمع بساحة الثورة وسط العاصمة طهران، فإن "الوجود بين الناس حوّل الخوف إلى حماسة وإصرار على الصمود".

ولم تقتصر المشاركة في هذه التجمعات على أنصار النظام التقليديين، بل شملت أطيافاً واسعة من المجتمع الإيراني على اختلاف توجهاتهم السياسية والثقافية والدينية. 

طالب الدكتوراه بقسم الترجمة بجامعة طهران (ياسر. س) ، أوضح أن: "أشخاصاً لم يكونوا تاريخياً من داعمي الجمهورية الإسلامية وضعوا خلافاتهم السابقة جانباً واحتشدوا خلف النظام السياسي الذي يقود المواجهة مع العدوان". 

ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة شكلت أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية خلال الحرب، لأنها أظهرت تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على مواجهة الضغوط العسكرية والنفسية والإعلامية.

ومع تحول التجمعات الليلية إلى مشهد يومي ثابت، بدأت تأخذ بعداً سياسياً أكثر عمقاً، خصوصاً مع ترديد الشعارات الوطنية والدينية التي أكدت التمسك بالسيادة ورفض التراجع أمام الضغوط الخارجية. 

كما تحركت جهات شعبية وشبه حكومية لدعم هذه التجمعات وتنظيمها، مستفيدة من المخزون الوطني والديني والشعائري الكبير لدى المجتمع الإيراني، عبر الأعلام واللافتات والأناشيد والفعاليات المختلفة التي عززت حضور الناس في الشوارع بصورة مستمرة.

ويرى مسؤولون وأكاديميون إيرانيون أن هذه الحشود الشعبية لعبت دوراً مركزياً في دعم الجبهة الداخلية وإسناد الموقفين العسكري والسياسي للدولة. 

فإلى جانب رفع المعنويات، ساهمت التجمعات في إيصال رسالة واضحة إلى العالم بأن الشعب الإيراني لا يزال متماسكاً رغم شدة الضربات والدمار الذي خلفته الحرب، وأنه مستعد لتحمل التضحيات دفاعاً عن بلاده. 

كما اعتُبرت هذه الحشود بمثابة سلاح معنوي قوي أربك حسابات خصوم إيران الذين كانوا يراهنون على حدوث انهيار داخلي أو احتجاجات واسعة ضد الدولة مع بداية الحرب.

وسرعان ما التفتت القنوات الفارسية المعارضة المدعومة من إسرائيل وبعض الدول الغربية إلى تأثير هذه الظاهرة، فبدأت – بحسب متابعين – حملة واسعة للتشكيك بالتجمعات الشعبية، عبر اتهامات تحدثت عن إجبار الناس على المشاركة أو دفع الأموال لهم مقابل الحضور. 

إلا أن كثيراً من الإيرانيين رأوا في تلك الحملات دليلاً على نجاح التجمعات في إفشال محاولات ضرب الجبهة الداخلية، وعلى حجم القلق الذي أثاره مشهد الحشود اليومية المتدفقة إلى الشوارع رغم القصف والتهديدات.

ويتابع ياسر، إن: "دور التجمعات الليلية في حفظ النظام وتعزيز الصمود الشعبي يستحق اهتماماً كبيراً"، مؤكداً أن ما جرى خلال الحرب أظهر "حالة حماسة وصمود أسطوري" في مواجهة "ماكينة عسكرية متقدمة تقنياً وعسكرياً وغاشمة في تصرفاتها". 

ويشير إلى أن "الحرب لم تستثنِ المدارس والمشافي وعوائل العلماء ومراكز العلم والتقنية والطاقة والصناعات الدفاعية، ومع ذلك فإن نزول الإيرانيين اليومي إلى الشوارع حمل رسالة واضحة مفادها أن الشعب لن يتراجع أمام العدوان، وأنه يقف موحداً خلف بلده في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ إيران الحديث".

ومع استمرار الحرب وتعاظم الضغوط، لم تعد التجمعات الشعبية في إيران مجرد حالة تضامن عابرة، بل تحولت إلى عنوان واضح لمعركة الإرادة والصمود التي يخوضها الإيرانيون. 

فالحشود التي ملأت الشوارع يومياً لم تكن فقط دعماً للدولة ومؤسساتها، وإنما إعلاناً جماعياً بأن الشعب اختار الوقوف في خندق المواجهة مهما بلغت التضحيات. 

وبينما كانت واشنطن وتل أبيب تراهنان على إنهاك الداخل الإيراني وإضعاف تماسكه عبر العملاء وضخ أموال الفتنة، جاءت صور الساحات المكتظة لتقلب المشهد بالكامل، مؤكدة أن الشعوب حين تشعر بأن وطنها مستهدف تتحول إلى قوة هائلة قادرة على إفشال أخطر مشاريع الحرب والضغط والحصار. 

هكذا أراد الإيرانيون أن يقولوا للعالم إن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضاً بإرادة الشعوب التي ترفض الانكسار.

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

نتائجه تضاهي الماء.. مكون يومي يقلب موازين "الريجيم"

نتائجه تضاهي الماء.. مكون يومي يقلب موازين "الريجيم"

2026-10-04 23:28 1994
الزيدي وحمودي يؤكدان أهمية استكمال التشكيلة الحكومية وتجاوز التحديات الاقتصادية

الزيدي وحمودي يؤكدان أهمية استكمال التشكيلة الحكومية وتجاوز التحديات الاقتصادية

2026-10-04 22:46 1746
هيئة الأنواء الجوية تتوقع هطول أمطار ابتداءً من فجر الإثنين

هيئة الأنواء الجوية تتوقع هطول أمطار ابتداءً من فجر الإثنين

2026-10-04 21:53 3741
ضبط رئيس وأعضاء لجنة جباية ببلدية الشطرة لاستيلائهم على مال مملوك للدولة

ضبط رئيس وأعضاء لجنة جباية ببلدية الشطرة لاستيلائهم على مال مملوك للدولة

2026-10-04 20:41 4279
عواصف رعدية تُهدد سلامة الطيران.. تحذير جوي عاجل للمجال الجوي العراقي

عواصف رعدية تُهدد سلامة الطيران.. تحذير جوي عاجل للمجال الجوي العراقي

2026-10-04 19:37 4416
مع إغلاق البورصات.. الدولار يتجاوز 158 ألفاً في العراق

مع إغلاق البورصات.. الدولار يتجاوز 158 ألفاً في العراق

2026-10-04 18:55 3376
الناطق باسم القائد العام يعلن اعتقال المتورطين بالتجاوز على العلم الأمريكي ببغداد

الناطق باسم القائد العام يعلن اعتقال المتورطين بالتجاوز على العلم الأمريكي ببغداد

2026-10-04 17:06 3549
القائد العام يوجه بتشكيل لجنة تحقيقية بشأن التجاوز على علم الولايات المتحدة

القائد العام يوجه بتشكيل لجنة تحقيقية بشأن التجاوز على علم الولايات المتحدة

2026-10-04 14:35 3289
ارتفاع أسعار الذهب في العراق.. والمثقال الخليجي يتجاوز 920 ألف دينار

ارتفاع أسعار الذهب في العراق.. والمثقال الخليجي يتجاوز 920 ألف دينار

2026-10-04 13:54 3277
استكمال إجراءات صرف مكافأة نهاية الخدمة للمحالين على التقاعد

استكمال إجراءات صرف مكافأة نهاية الخدمة للمحالين على التقاعد

2026-10-04 12:41 7514
ارتفاع طفيف بأسعار صرف الدولار في بغداد و أربيل

ارتفاع طفيف بأسعار صرف الدولار في بغداد و أربيل

2026-10-04 12:06 2870
​أبرز مباريات اليوم في دوري الأمم الأوروبية واللقاءات الودية

​أبرز مباريات اليوم في دوري الأمم الأوروبية واللقاءات الودية

2026-10-04 10:48 4040
الأنواء: أمطار رعدية وغبار وانخفاض في درجات الحرارة

الأنواء: أمطار رعدية وغبار وانخفاض في درجات الحرارة

2026-10-04 10:19 8500
الإمارات تكرم ضيافة عُمان وتتأهل إلى نهائي خليجي 27

الإمارات تكرم ضيافة عُمان وتتأهل إلى نهائي خليجي 27

2026-10-04 00:02 4728
"المطلع" تنشر خطاب رئيس الوزراء إلى الشعب العراقي بمناسبة العيد الوطني

"المطلع" تنشر خطاب رئيس الوزراء إلى الشعب العراقي بمناسبة العيد الوطني

2026-10-03 22:06 13919
مطار النجف: غداً استئناف الرحلات الجوية مع إيران وبواقع 3 رحلات مسائية

مطار النجف: غداً استئناف الرحلات الجوية مع إيران وبواقع 3 رحلات مسائية

2026-10-03 21:04 13175
واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

2026-10-03 20:02 6967
أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

2026-10-03 18:55 6479