المطلع
عاجل

post-image

تجاهل فرنسا سيادة المغرب يعمق الهوة بين البلدين

الكاتب: ادارة الموقع


23:10 مقالات عامة
2022-10-22
66104

بينما حبر الإتفاقيات التي جرت على أعلى مستوى بين الجزائر وفرنسا لم يجف بعد، اكتفت الحكومة الفرنسية بإيفاد وزيرها المكلف بالتجارة الخارجية أوليفييه بيخت إلى المغرب لإجراء لقاءات مع مسؤولين مغاربة وفعاليات اقتصادية، في إطار مساع لتذويب الخلاف القائم منذ عدة أشهر.

الغريب أن يقدم الفرنسيون على سحب سفيرتهم لإرسالها في مهمة بالدائرة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ويرسلون وزيرا بصفة اقتصادية وتجارية في مهمة لتذويب الخلافات مع الرباط.. هل هذا سلوك دولة تحترم ذكاء صنّاع القرار في المغرب؟

سلوك مثل هذا لا يمكن أن يكون سوى إشارة واضحة على الإمعان في تأزيم علاقات باريس مع الرباط. وفي وقت تبدو فيه الأزمة بين فرنسا والمغرب مستعصية على الحل والفهم، تصف وسائل الإعلام الفرنسية ما يحدث بين البلدين بجملة تزيد الوضع غموضا وتعقيدا “إنه سوء الفهم بين الرباط وباريس”، رافضة أن تنتصر لمنطق الموضوعية والعقلانية والواقعية.

وفي حركة تحمل في طياتها تفسيرا لعلاقة المغرب مع باريس عين العاهل المغربي الملك محمد السادس مساء الثلاثاء الماضي سفير الرباط في باريس محمد بنشعبون مديرا عاما لـ”صندوق محمد السادس للاستثمار”.. بعد عام من تنصيبه سفيرا فيها، ليتفرغ الآن لإدارة مؤسسة ذات ثقل ومجهود اجتماعي كبير يقودها الملك شخصيا.

أكد المغرب أكثر من مرة أن ما يمكن أن يخلخل علاقاته مع الآخرين هو عدم فهم أولوياته، وعلى رأسها سيادته على صحرائه، باعتبارها المعيار الذي يتم من خلاله تقييم علاقاته الخارجية. وكان على باريس أن توضح موقفها تجاه قضية الصحراء المغربية بالتزام واضح، إلا أن هذا لم يحدث، ولم تعر دوائر القرار الفرنسي أهمية لهذا المطلب.

الدلائل كلها تشير إلى إمعان فرنسا في تأزيم العلاقات مع المغرب، فمع بداية أكتوبر الجاري كانت فرنسا تخطط لإقحام قضية الصحراء المغربية في جدول أعمال القمة التاسعة لزعماء دول الاتحاد الأوروبي المتوسطية “يوروميد”، وبررت ذلك، حسب وسائل إعلام مقربة من قصر الإليزيه، بـ”الانعكاسات المحتملة التي يمكن أن يحدثها هذا الصراع في سياق أزمة إمدادات الطاقة والغاز في أوروبا”.

وترى فرنسا في التواجد المغربي الاستثماري في غرب وشرق القارة الأفريقية تهديدا لها في مناطق نفوذها. ولم تستوعب باريس الإجراءات التي يقدم عليها المغرب لتحصين مجاله الاقتصادي، وإنهاء هيمنة عدد من الشركات على قطاعات مهمة مثل القطاع المصرفي وقطاع الصناعة وقطاع الخدمات الذي يشمل الماء والكهرباء والصرف الصحي في المدن الكبرى.

مجال التأمين كان هو الآخر محل استحواذ، ففي أواخر شهر أبريل الماضي أعلنت مجموعة “إيكسباندو” القابضة عن استحواذها على 80 في المئة من شركة “آكسا أسيستنس المغرب”، لتصبح “أكسا المغرب” تابعة لشركة قابضة مغربية، وهو ما يعني انتهاء هيمنة الشركة الفرنسية بالمغرب وبكامل القارة الأفريقية.

وتستعد مجموعة “سنترال دانون”، إحدى أبرز العلامات الفرنسية المشتغلة بالحليب ومشتقاته الموجودة في المغرب تاريخيا للانسحاب من السوق المغربي، بعد عقود من التحكم في هذه الصناعة، حيث أعلنت رسميا عن بيع أسهمها بعد موافقة الهيئة المغربية لأسواق المال في شهر مارس الماضي على ذلك.

واقعيا التواصل بين الدولتين في حدوده الدنيا. هذه حقيقة لا جدال فيها.

الحقيقة الأخرى هي أن إيمانويل ماكرون مهووس بالجزائر، ويعتقد أنه سينجح في تنظيف العلاقات الفرنسية – الجزائرية، ولا يهمه التضحية بالتفاهم الجيد مع المغرب على أمل الحصول على شروط أفضل من النظام الجزائري في ما يتعلق بمصالح بلده.

لقد تمنى المغرب لماكرون حظا سعيدا، عندما لم تتفاعل الرباط مع تصريح مستفز وغير دبلوماسي وقال إنه سيزور المغرب دون تنسيق أو اتفاق مسبق.

واليوم يسحب المغرب سفيره من باريس، لأنه في حاجة إليه في الورش الاجتماعية والاقتصادية. ولا يمكن أن يضيع الوقت ويهدر طاقة وكفاءة وطنية في مباحثات تجري تحت السطح مع مسؤولين فرنسيين همهم الأول مصالحهم.

كان الملك محمد السادس قد أثنى في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في أغسطس الماضي على دول مثل ألمانيا وهولندا وإسبانيا والولايات المتحدة ورومانيا في مواقفها الإيجابية من قضية الصحراء المغربية، دون ذكر فرنسا بتاتا، موجها دعوة للحلفاء التقليديين للمغرب للخروج من منطقة الغموض في قضية الصحراء المغربية، ورابطا استمرار أو بناء أي شراكة اقتصادية بالإعلان عن موقف صريح داعم لوحدة المغرب الترابية.

وزير التجارة بوصفه ممثلا للدولة الفرنسية، معني بخطاب الملك محمد السادس الموجه لشركاء المملكة الذين مازالوا مترددين وتبدو مواقفهم المتعلقة بسيادة المملكة على صحرائها غامضة، لتوضيح ومراجعة مواقفهم بطريقة لا تقبل أي التباس.

تنويع الشركاء الدوليين على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني أصبح عقيدة مغربية، وهذا ما يؤرق الدولة الفرنسية بكل هياكلها ومؤسساتها. فمن الواضح أن فرنسا لا تريد التخلي عن نزعتها الاستغلالية التي سادت منذ الاحتلال.

كان لهذا التوجه المغربي أثر إيجابي على المغرب في تثمين أدواره ومواقفه من طرف هؤلاء الشركاء ومنهم الولايات المتحدة التي وجهت دعوة للمغرب لحضور أشغال قمة مجموعة السبع (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة والولايات المتحدة) التي ستعقد بواشنطن في شهر نوفمبر المقبل.

واقعيا لم يعد المغرب يركز على فرنسا، بل على تنويع علاقاته وصداقاته السياسية والإستراتيجية، ونجاحه مؤخرا في إقناع الجار الإسباني بتغيير موقفه في ما يتعلق بالصحراء، وهذا ما فعلته الحكومة الإسبانية ونأت بنفسها عن خيارات فرنسا في هذا الملف.

فرنسا التي تخلق بيئة مسمومة بمنعها الأطباء ورجال الأعمال والموسيقيين والسياسيين من الدخول إلى أراضيها ورفض منحهم تأشيرة دخول، لا يحق لها أن تكون قلقة جدا من خفوت نفوذها الثقافي واللغوي، حيث يقوم المزيد من الطلاب بالتسجيل في المجلس الثقافي البريطاني لتعلم اللغة الإنجليزية، وتفضل العائلات ذات الموارد المالية إرسال أطفالها للدراسة في الولايات المتحدة وإنجلترا وكندا.

مؤخرا أرادت فرنسا توريط الرباط في قضية ترحيل الإمام حسن إكويسن الفرنسي الجنسية إلى المغرب الذي رفض استقباله، وهو ما زاد من تعقيد العلاقة الثنائية.

القنصليات المغربية لا مشكلة لديها مع إعادة المهاجرين غير الشرعيين، عندما يكونون مغاربة، وهؤلاء المهاجرون الذين لا يحملون وثائق رسمية، ليسوا كلهم مغاربة.

إذا كانت باريس تعترف بالمساعدة التي قدمتها لها الأجهزة المغربية في مكافحة الإرهاب وأنقذتها من حمام دم في شوارعها، عليها أن تسأل نفسها ما مصير هذا التعاون اليوم مع تعنت الأذرع المتحكمة في القرار الفرنسي؟ وهل وصلت العلاقات بين البلدين، فعليا، إلى نقطة اللاعودة؟

سؤال ستجيب عليه الأيام القليلة القادمة.

المصدر: صحيفة العرب
الكاتب: محمد ماموني العلوي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

زيدان وباقري يشددان على تبادل الخبرات والمعلومات لمواجهة الجريمة المنظمة

زيدان وباقري يشددان على تبادل الخبرات والمعلومات لمواجهة الجريمة المنظمة

2026-08-25 12:44 3288
أسعار صرف الدولار تواصل ارتفاعها في بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار تواصل ارتفاعها في بغداد وأربيل

2026-08-25 10:45 3881
تفكيك إحدى أكبر شبكات النصب والابتزاز الإلكتروني في العراق

تفكيك إحدى أكبر شبكات النصب والابتزاز الإلكتروني في العراق

2026-08-24 22:07 6177
مجلس الوزراء يقر تسهيلات جمركية ودعماً مالياً وفرصة امتحانية إضافية

مجلس الوزراء يقر تسهيلات جمركية ودعماً مالياً وفرصة امتحانية إضافية

2026-08-24 19:40 21988
العراق يعلن جاهزية قواته: إنهاء مهمة التحالف الدولي والانتقال إلى الشراكة الثنائية

العراق يعلن جاهزية قواته: إنهاء مهمة التحالف الدولي والانتقال إلى الشراكة الثنائية

2026-08-24 19:05 6402
الوقف السني: رئيس الوزراء ماضٍ بشرف في كفاحه ضد الفساد والفاسدين

الوقف السني: رئيس الوزراء ماضٍ بشرف في كفاحه ضد الفساد والفاسدين

2026-08-24 15:20 24297
إطلاق راتب المعين المتفرغ لأكثر من 386 ألف مستفيد

إطلاق راتب المعين المتفرغ لأكثر من 386 ألف مستفيد

2026-08-24 14:36 13101
الحكيم: قرار الحرب والسلم مسؤولية الدولة وحصر السلاح ضرورة سيادية

الحكيم: قرار الحرب والسلم مسؤولية الدولة وحصر السلاح ضرورة سيادية

2026-08-24 13:53 7510
اعتقال مدير الدائرة القانونية في هيئة الاستثمار بتهم فساد

اعتقال مدير الدائرة القانونية في هيئة الاستثمار بتهم فساد

2026-08-24 12:28 13624
أسعار الدولار تسجل ارتفاعاً في بغداد وأربيل

أسعار الدولار تسجل ارتفاعاً في بغداد وأربيل

2026-08-24 11:51 21976
العراق.. استمرار ارتفاع الحرارة ومحافظة تسجل الـ50 مئوية غداً

العراق.. استمرار ارتفاع الحرارة ومحافظة تسجل الـ50 مئوية غداً

2026-08-24 10:02 14159
الذهب يقفز لأعلى مستوى في 3 أشهر بدعم من تراجع الدولار

الذهب يقفز لأعلى مستوى في 3 أشهر بدعم من تراجع الدولار

2026-08-24 09:20 7018
النفط ينخفض مع جني الأرباح.. وإيران تمنح الناقلات العراقية استثناءً بالعبور

النفط ينخفض مع جني الأرباح.. وإيران تمنح الناقلات العراقية استثناءً بالعبور

2026-08-24 09:00 6371
المرور تنوه عن قطع طريق غربي بغداد

المرور تنوه عن قطع طريق غربي بغداد

2026-08-23 23:52 24611
الأعرجي يعلن خطة حصر السلاح وفك ارتباط الفصائل بالتزامن مع انسحاب التحالف

الأعرجي يعلن خطة حصر السلاح وفك ارتباط الفصائل بالتزامن مع انسحاب التحالف

2026-08-23 23:48 9281
الأنواء تستبعد تسجيل 50 مئوية وتحدد موعد اعتدال الطقس بالعراق

الأنواء تستبعد تسجيل 50 مئوية وتحدد موعد اعتدال الطقس بالعراق

2026-08-23 21:56 22880
أكسيوس يكشف: لقاء سوري إسرائيلي لتهدئة الأوضاع بعد استهداف "أبو الظهور"

أكسيوس يكشف: لقاء سوري إسرائيلي لتهدئة الأوضاع بعد استهداف "أبو الظهور"

2026-08-23 19:53 10453
ريمونتادا درامية للسيتي واكتساح عريض لبرايتون في بداية البريميرليج

ريمونتادا درامية للسيتي واكتساح عريض لبرايتون في بداية البريميرليج

2026-08-23 19:49 9232