المطلع
عاجل

post-image

حدود أطروحة العزل في تدبير العلاقات الجزائرية المغربية؟

الكاتب: ادارة الموقع


22:08 مقالات عامة
2021-08-27
26463

ثمة أسئلة كثيرة حول خلفيات قرار السلطات الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
السلطات الجزائرية قدمت مبرراتها، واعتبرت أن الأفعال العدوانية الصادرة عن المغرب هي التي دفعتها لاتخاذ هذا القرار، وأدرجت ضمن هذه الأفعال اتهام المغرب بإشعال الحرائق في ولاية تيزي ويزو وبجاية وولايات جزائرية أخرى، واتهامه بالتجسس على مسؤولين جزائريين باستعمال برنامج بيغاسوس، والزعم بوجود «مخطط جهنمي» مغربي صهيوني لزعزعة استقرار الجزائر، واتهامه أيضا بدعم حركتين انفصاليتين، بل إنها رجعت للتاريخ، وحشرت المبررات القديمة، لتدعم القرار.
والحقيقة ألا جديد في هذه المبررات، فقد كانت هذه المعطيات حاضرة قبيل انعقاد المجلس الأعلى للأمن الجزائري، ومع ذلك تم اتخاذ قرار وضع العلاقات الجزائرية المغربية في طاولة النظر دون قطعها، فهل مدة أسبوع كانت كافية لإجالة النظر؟ أم أن ثمة متغيرات عجلت بهذا القرار؟
من الزاوية الأمنية، لم تكشف الجزائر عن أي معطيات جديدة، فبلاغ وزارة الخارجية الجزائرية اكتفى بالمعطيات القديمة، لكن من الزاوية السياسية والدبلوماسية يمكن أن نسجل تطورا مهما، فالملك محمد السادس أعلن في خطاب ثورة الملك والشعب عن قرب تدشين علاقات مغربية إسبانية غير مسبوقة، وأنه بنفسه كان يشرف بشكل مباشر على المفاوضات بين مدريد والرباط، وألمح إلى تغير رؤية الإسبان واتجاههم إلى فهم مقتضيات الشراكة كما يفهمها المغرب، وكما هو التعريف الدولي لها.
بعض الصحف الإسبانية، كشفت عن عودة قوية وشيكة للعلاقات المغربية والإسبانية، وتحدثت عن تطور مرتقب في موقف مدريد من نزاع الصحراء مقابل تفاهمات حول وضع سبتة ومليلية المحتلتين.

الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية للجزائر، فضلا عن واقع الدبلوماسية الجزائرية، وتطورات الوضع الإقليمي والدولي، كل ذلك لا يخدم سيناريو دور إقليمي جزائري في المنطقة

الجزائر منذ بداية التوتر مع المغرب حول ملف الصحراء، لجأت إلى أطروحة عزل المغرب، وربما استفادت كثيرا من مقولة عبد الله العروي، الذي كان يقول بأن قدر المغرب أن يكون محاصرا من كل الجهات: شرقا وشمالا وغربا، وأن الخيارات التاريخية التي لجأ إليها المغرب لفك عزلته هي العمق الإفريقي، ومن ثم اتجهت دبلوماسيتها إلى منع أي تقارب مغربي موريتاني من جهة الجنوب، ومحاولة جعل التقارب المغربي الأوروبي محدودا أو غير مستقر من جهة الشمال، والإفادة من الموقف الأمريكي الذي كان يستعمل ورقة حقوق الإنسان ضد المغرب لتحقيق مكاسبه الاستراتيجية في المنطقة، وأكلمت عناصر استراتيجيتها لتطويق المغرب، ببناء محور ثلاثي قوي جزائري نيجيري جنوب إفريقي، مستثمرة انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984.
لكن، يبدو أن تقهقر الدبلوماسية الجزائرية باعتراف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والدينامية القوية للدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد سنة 2004، خلق واقعا جديدا، فالمغرب قوّى شراكته الاستراتيجية مع فرنسا، وقدم دعما قويا لإسبانيا للخروج من الأزمة الاقتصادية التي ضربتها سنة 2008 و2009، وقوّى شراكته الاستراتيجية مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وعاد بقوة إلى الاتحاد الإفريقي، وعزز حضوره كمركز جدب قاري، مفككا بذلك المحور الثلاثي: الجزائر نيجيريا جنوب إفريقيا، ولم يكتف فقط بتعزيز وجوده في غرب إفريقيا بل امتد في شرقها وجنوبها، وأثمر ذلك تحقيق اختراق قوي، غيرت على إثره بعض الدول الإفريقية موقفها من قضية الصحراء.
في المحصلة، نجح المغرب في الخروج من العزلة، ووضع الأطروحة الجزائرية في الركن الضيق، لاسيما بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، والتثمين الدولي للدور الذي لعبه في تأمين معبر الكركرات وحماية التجارة الدولية، أي أن الجزائر فقدت الشروط التي تمكنها من المناورة ضد المغرب (بتبديد المغرب لواقع عزلته)، وفقدت أيضا الإمكانية لتحريك البوليساريو فوق الأرض، بسبب الواقع الذي فرضه المغرب في معبر الكركرات، والاستقطاب الدولي للمناطق الجنوبية، سواء عبر إقامة تمثيليات دبلوماسية بها، أو عبر استثمارات كبيرة في المنطقة أو في شكل اتخاذها منطقة لوجستية ضخمة لمرور البضائع إلى العمق الإفريقي.
الجزائر حاولت الاستدراك بالعمل على إعادة إنتاج شروط عزلة المغرب، وذلك من خلال الاستثمار في التوتر المغربي الإسباني من جهة والتوتر المغربي الألماني من جهة ثانية، وسعت إلى تحويل هذا التوترات الثنائية إلى توتر مغربي أوروبي، واشتغلت أيضا من أجل أن تغير الإدارة الأمريكية الجديدة موقفها من اعتراف إدارة ترامب بمغربية الصحراء، وسارعت إلى افتعال توتر مغربي فرنسي من خلال استثمار حملة بيغاسوس، فوجهت اتهاما رسميا للمغرب بالتجسس على مسؤوليها والمسؤولين الفرنسيين، لكنها في الأخير فشلت في محاولة الاستدراك هذه، وكانت الضربة القاضية بالنسبة إليها، هو ما أعلنه ملك المغرب من عودة قوية وشيكة وغير مسبوقة للعلاقات المغربية الإسبانية، وهو ما يعني تغير في الموقف الإسباني تجاه قضية الصحراء، دون أن نغفل الموقف الفرنسي الذي صدر عشية قرار قطع الجزائر لعلاقتها مع المغرب، والذي اعتبر المغرب صديقا عظيما وشريكا قويا، وأيضا موقف الاتحاد الأوروبي، الصادر قبل يومين قبل قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، والذي رحب بإنهاء التوتر بين مدريد والرباط معتبرا ذلك خطوة في اتجاه تقوية العلاقات الثنائية وترسيخ الشراكة الأوروبية المغربية.
الدبلوماسية الجزائرية تعيش اليوم أسوأ أيامها، بسبب هذه التطورات التي نسفت بالكامل أطروحتها في عزل المغرب، وبسبب التطورات في تونس، والتي لم يكن للجزائر أي رؤية استباقية لها، فضلا عن أن يكون لها خيارات تؤمن بها الثقوب التي حدثت في جدار منظومة أمنها، ولذلك، هي تحاول أن تنتج بعض المبادرات التي تشعر الرأي العام الجزائري بعودتها القوية وباستعادة الجزائر لدورها الإقليمي في المنطقة، من ذلك الوساطة في سد النهضة، التي لم تثمر شيئا في واقع الأرض، وتأكيد الدور الجزائري في مالي بعد تراجع مالي في الأجندة الفرنسية، والتلويح بإمكان لعب دور أمني الإقليمي في منطقة الساحل جنوب الصحراء، وتكرار الزيارة لتونس للقاء الرئيس التونسي قيس سعيد بعد تعطيل المؤسسات السياسية، والإيحاء بوجود علاقة متينة بين الرئيسين ودور جزائري قوي في تونس، فضلا عن الإيحاءات التي تحاول السلطات الجزائرية تكريسها بخصوص دور الجزائر في مساعدة الليبيين على حل مشاكلهم واستكمال بناء مؤسساتهم السياسية.
كثيرون يطرحون سؤال الكسب الذي ستحققه الجزائر، وهل القرار بقطع العلاقات سيعيد أطروحة عزل المغرب إلى سابق عهدها، أم سيساهم في عزلة الجزائر نفسها، بعد أن أصبحت محاصرة من جهة تونس وليبيا بسبب النفوذ الإماراتي والفرنسي والمصري في المنطقة، وبعد أن حاصرت نفسها غربا بقطع العلاقات مع الرباط؟
ثمة تفسيران لهذا الوضع، فإما أن السلطات الجزائرية في حاجة إلى هذه العزلة، وإلى خلق حالة حرب في وعي الشعب الجزائري للقيام بمهام أمنية واسعة ترتب وضعا داخليا في البنية الأمنية والعسكرية، وإما أنها تراهن على إمكانية دور إقليمي جزائري في المنطقة، وأن هذا الدور سيعيد أطروحة العزل إلى السكة من جديد.
الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية للجزائر، فضلا عن واقع الدبلوماسية الجزائرية، وتطورات الوضع الإقليمي والدولي، كل ذلك لا يخدم سيناريو دور إقليمي جزائري في المنطقة، والأرجح أن السلطات الجزائرية، تريد تنفيذ مهمة محدودة في الزمن، لترتيب وضع جديد داخل البنية الأمنية والعسكرية، واللجوء بعدها للاستجابة للوساطات العربية أو الدولية لجعل مستوى التوتر بينها وبين المغرب متحكما فيه.

الكاتب: بلال التليدي
المصدر: القدس العربي

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

هيئة ‏الأنواء الجوية: لا درجات خمسينية حتى نهاية تموز

هيئة ‏الأنواء الجوية: لا درجات خمسينية حتى نهاية تموز

2026-07-19 23:47 3194
مقتل وفقدان 4 جنود أمريكيين وإصابة آخر في الأردن وشمال العراق

مقتل وفقدان 4 جنود أمريكيين وإصابة آخر في الأردن وشمال العراق

2026-07-19 22:43 3010
يامال وميسي وجهاً لوجه.. التشكيل الأساسي لنهائي الحلم بين إسبانيا والأرجنتين

يامال وميسي وجهاً لوجه.. التشكيل الأساسي لنهائي الحلم بين إسبانيا والأرجنتين

2026-07-19 21:50 3856
انفجارات عنيفة في الكويت

انفجارات عنيفة في الكويت

2026-07-19 21:45 3093
رئيس البرلمان يوجِّه باستضافة وزير الكهرباء للوقوف على واقع تردِّي الطاقة الكهربائية

رئيس البرلمان يوجِّه باستضافة وزير الكهرباء للوقوف على واقع تردِّي الطاقة الكهربائية

2026-07-19 18:30 3768
رئيس الوزراء يزور طهران نهاية الأسبوع ويوقع مذكرات تفاهم

رئيس الوزراء يزور طهران نهاية الأسبوع ويوقع مذكرات تفاهم

2026-07-19 20:50 3838
الأمن الوطني يعلن عن صيد ثمين ويفكك شبكات سرية بالمحافظات

الأمن الوطني يعلن عن صيد ثمين ويفكك شبكات سرية بالمحافظات

2026-07-19 17:22 5295
البرلمان يصوت على توصيات اللجنة الخاصة بحادث الصيادين العراقيين + وثائق

البرلمان يصوت على توصيات اللجنة الخاصة بحادث الصيادين العراقيين + وثائق

2026-07-19 16:20 4565
الزيدي و أمير قطر يبحثان العلاقات الثنائية ويؤكدان على تنفيذ التوافقات الإقليمية

الزيدي و أمير قطر يبحثان العلاقات الثنائية ويؤكدان على تنفيذ التوافقات الإقليمية

2026-07-19 15:48 4843
البرلمان يصوت على جملة قرارات ويلغي تعيين رئيس مجلس الخدمة ونائبيه

البرلمان يصوت على جملة قرارات ويلغي تعيين رئيس مجلس الخدمة ونائبيه

2026-07-19 14:58 4643
الإيقاع بمسؤول في شركة توزيع كهرباء بغداد اختلس مواد بــ 4,5 مليارات دينار

الإيقاع بمسؤول في شركة توزيع كهرباء بغداد اختلس مواد بــ 4,5 مليارات دينار

2026-07-19 14:09 4496
إيران تستهدف سفينتين في هرمز.. و"سنتكوم" تعلن تحويل مسار 5 سفن تجارية

إيران تستهدف سفينتين في هرمز.. و"سنتكوم" تعلن تحويل مسار 5 سفن تجارية

2026-07-19 13:21 5192
السفارة الأميركية في الأردن تحذر رعاياها من التوجه لمطار العقبة والميناء

السفارة الأميركية في الأردن تحذر رعاياها من التوجه لمطار العقبة والميناء

2026-07-19 13:10 4426
بغداد.. اعتقال متهمين بالترويج لـ"حركة اليماني" وتزويج الفتيات خارج البلاد

بغداد.. اعتقال متهمين بالترويج لـ"حركة اليماني" وتزويج الفتيات خارج البلاد

2026-07-19 12:42 4709
أسعار صرف الدولار تسجل تراجعاً صباح اليوم في بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار تسجل تراجعاً صباح اليوم في بغداد وأربيل

2026-07-19 11:51 5324
تحديد معدل قبول فئة ذوي الشهداء ومدارس الفرح للأيتام بمدارس المتفوقين

تحديد معدل قبول فئة ذوي الشهداء ومدارس الفرح للأيتام بمدارس المتفوقين

2026-07-19 11:04 5106
الأنواء: أجواء صحوة مع انخفاض طفيف بالحرارة خلال الأيام المقبلة

الأنواء: أجواء صحوة مع انخفاض طفيف بالحرارة خلال الأيام المقبلة

2026-07-19 10:11 5138
رئيس الوزراء يعلن اختتام زيارته إلى واشنطن ويشكر إدارة ترامب

رئيس الوزراء يعلن اختتام زيارته إلى واشنطن ويشكر إدارة ترامب

2026-07-19 00:00 6948