المطلع
عاجل

post-image

الملف النووي الإيراني إلى العتمة مجددا: تحول تكتيكي أم تصعيد محسوب؟


14:56 تقارير عربية ودولية
2025-07-03
95855

في تصعيد جديد للتوتر النووي، أعلنت طهران، الأربعاء، عن تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة تعكس تصاعد الاحتقان بينها وبين المجتمع الدولي، لا سيما بعد سلسلة ضربات جوية استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو الماضي، ويأتي هذا القرار في توقيت حساس، يسلّط الضوء على هشاشة المساعي الدبلوماسية، وسط تحذيرات من انزلاق المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

وجاء في  تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أنه:"تعيد الخطوة، التي جاءت بتوجيه مباشر من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وبإجماع برلماني شبه كامل، طرح تساؤلات عميقة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وجدوى آليات الرقابة الدولية، واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع تتجاوز حدود الردود الدبلوماسية المعتادة".

ولا يعني تعليق التعاون فقط منع المفتشين الدوليين من دخول منشآت حساسة مثل (فوردو ونطنز)، بل يشكل عمليًا شطبًا لأحد أهم أدوات الشفافية التي كانت تسمح للمجتمع الدولي بمراقبة تخصيب اليورانيوم، وعدد أجهزة الطرد المركزي، وتحركات المواد الانشطارية.

ويؤشر القرار على أن إيران لم تعد ترى في الوكالة الدولية جهة محايدة. ففي التصريحات الرسمية، تتهم طهران الوكالة بالتواطؤ، بل وبتوفير غطاء سياسي للهجمات العسكرية، وهي اتهامات تعكس حجم الغضب الإيراني من دور الوكالة أو صمتها إزاء الغارات التي نفذتها إسرائيل وبدعم غير مباشر من الولايات المتحدة.

وفي مقابلة مع قناة "سي.بي.إس نيوز"، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن:"منشأة فوردو تعرضت لأضرار جسيمة وبالغة نتيجة القصف الأميركي"، فيما اكتفت الوكالة الدولية ببيان مقتضب أعربت فيه عن:"انتظارها معلومات رسمية إضافية من إيران".

وفُسِّر هذا التفاوت بين حجم الحدث ورد الفعل الدولي في طهران على أنه دليل إضافي على ازدواجية المعايير، وساهم في تسريع صدور قانون تعليق التعاون، الذي اشترط موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي على أيّ عملية تفتيش مستقبلية.

ولا ينفصل قرار إيران عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فبعد الحرب القصيرة والمكلفة بين إيران وإسرائيل في يونيو، والتي كشفت هشاشة بعض المواقع الدفاعية الإيرانية، شعرت طهران أنها باتت في موقف دفاعي يحتاج إلى تحصين سياسي وقانوني.

وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى البرنامج النووي كمصدر تهديد من قبل الغرب، تنظر إليه القيادة الإيرانية كأداة ردع، لا يمكن التفريط فيها أو تركها عرضة للاستهداف الخارجي. ولذلك، فإن تعليق التعاون لا يبدو مجرد رد فعل ظرفي، بل أقرب إلى تموضع إستراتيجي جديد، يعيد رسم حدود التعامل بين طهران والمؤسسات الدولية.

ويذهب بعض الخبراء إلى اعتبار هذه الخطوة بداية النهاية لأيّ إمكانية فورية لإحياء الاتفاق النووي، الذي ظل مجمَّدًا منذ انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منه عام 2018، وعودة إيران تدريجيًا إلى تخصيب اليورانيوم بمستويات تتجاوز ما كان مسموحًا به.

وبحسب كلسي دافنبورت، مديرة السياسة النووية في "جمعية مراقبة الأسلحة"، فإن:"فقدان الوكالة لما تسمّيه استمرارية المعرفة حول ما يجري داخل المواقع النووية الإيرانية يعني عمليًا دخول البرنامج في المنطقة المظلمة، حيث تصبح أيّ تقديرات تقنية عرضة للتخمين أو التضخيم السياسي، وهو ما قد يدفع بجهات دولية نحو اتخاذ قرارات بناءً على تصورات غير دقيقة".

وبينما تؤكد إيران أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، فإن فقدان الشفافية يوسّع الفجوة بين الخطاب والواقع، خصوصًا مع وجود مؤشرات على تسريع الإنتاج، وتخزين كميات أكبر من المواد القابلة للاستخدام العسكري.

ويؤكد بعض المحللين الغربيين أن:"تعليق التعاون يعني عمليًا اقتراب إيران من العتبة النووية دون أن تكون هناك آلية رقابة موثوقة قادرة على التحقق".

وترى أندريا ستريكر، الباحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن:"القرار الإيراني يفتح نافذة أمام إيران لاستخدام منشآت غير مُعلنة، وأن فقدان الرقابة يشبه تفكيك الإنذار المبكر الذي يمنح العالم الوقت لمنع أيّ تحوّل عسكري محتمل".

ورغم ذلك، لا يبدو أن إيران ذاهبة نحو قطيعة شاملة مع المجتمع الدولي، إذ تواصل التأكيد على أن التعليق مؤقت، وأن التعاون قد يُستأنف إذا ضمنت طهران عدم تكرار الاعتداءات على أراضيها.

وكما أن الحكومة الإيرانية لم تُعلن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، رغم التهديد المتكرر بذلك، وهو ما يترك نافذة تفاوض مفتوحة ولو ضيقة.

ويعتبر مسؤولون غربيون أن:"هذه النافذة لا ينبغي أن تُغلق، لأن إيران رغم تصلبها الظاهري لا تريد الانزلاق إلى مواجهة شاملة تُخرجها من دائرة المشروعية الدولية".

وأثار القرار الإيراني ردود فعل قلقة، لكن ليست صاخبة. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبّرا عن "الأسف" و"القلق العميق"، ودعا الجانبان طهران إلى العودة إلى الالتزام، لكن من دون طرح إجراءات ملموسة لفرض العودة، أو تفعيل آلية إعادة العقوبات بشكل فوري.

وأما إسرائيل، من جهتها، رأت في القرار إثباتًا على أن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي تحت ستار السيادة الوطنية، لكنها تدرك أن الرد العسكري المستمر قد يؤدي إلى انزلاق لا تريده في هذا التوقيت، خاصة بعد التكلفة الكبيرة التي تحملتها في الحرب الأخيرة.

وفي المقابل، تلقّت روسيا والصين القرار الإيراني بمواقف أقل حدّة، إذ اعتبرت موسكو أن الخطوة الإيرانية "رد فعل طبيعي على انتهاك صارخ للسيادة"، فيما دعت بكين إلى ضبط النفس، وعبّرت عن أملها في عودة التعاون ضمن شروط تحترم مصالح إيران الأمنية.

وتوضح هذه المواقف أن:"طهران لا تزال تراهن على دعم سياسي أو دبلوماسي من حلفائها الدوليين، لتقليص عزلتها وتقديم رواية بديلة لما يُروَّج في الغرب".

ويبقى السؤال الأكبر: هل يؤدي هذا التصعيد إلى المزيد من التوتر، أم أنه مقدمة لتفاوض من موقع قوة؟

وتشير التجربة الإيرانية مع المجتمع الدولي إلى أن:"التصعيد غالبًا ما يكون أداة للضغط وليس غاية في حد ذاته".

وتدرك طهران أن استمرار الضبابية حول برنامجها النووي لن يُكسبها ثقة، لكنها في الوقت نفسه ترى أن الثقة لم تمنع استهدافها في السابق، سواء عبر اغتيال علماء أو ضرب منشآت أو فرض عقوبات.

ومن هذا المنطلق، فإن القرار بتعليق التعاون مع الوكالة هو تعبير عن أزمة عميقة في العلاقة بين إيران والنظام الدولي، أزمة لا تُحل بالتفتيش ولا تُدار بالبيانات، بل في حاجة إلى مراجعة شاملة للمنطق الذي يحكم التعامل مع الملفات النووية في عالم يُعاد تشكيله تحت ضغط السلاح والتهديد.

وفي غياب مبادرة جريئة من القوى الكبرى، قد يتجه العالم نحو مرحلة أكثر غموضًا، تُعيد إيران فيها ترتيب أوراقها النووية خلف جدران لا ترى فيها الوكالة الدولية شيئًا، ولا يسمع فيها العالم سوى صدى التحذيرات.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

بين فرحة التأهل وقلق العائلة... ميسي يتلقى نبأً يخفف عنه ضغط كأس العالم

بين فرحة التأهل وقلق العائلة... ميسي يتلقى نبأً يخفف عنه ضغط كأس العالم

2026-06-23 22:14 3349
غوغل تطلق أندرويد 17 بميزات جديدة في الذكاء الاصطناعي والخصوصية

غوغل تطلق أندرويد 17 بميزات جديدة في الذكاء الاصطناعي والخصوصية

2026-06-23 23:59 3378
الجمارك تعلن نجاح تنفيذ أول عملية ترانزيت إلى الإمارات

الجمارك تعلن نجاح تنفيذ أول عملية ترانزيت إلى الإمارات

2026-06-23 22:01 5058
أزمة غذائية في لندن بسبب دونات كأس العالم

أزمة غذائية في لندن بسبب دونات كأس العالم

2026-06-23 21:01 3521
السماح بدخول المنتخب الإيراني لأمريكا قبل يومين من مباراته المقبلة

السماح بدخول المنتخب الإيراني لأمريكا قبل يومين من مباراته المقبلة

2026-06-23 23:30 3591
قرار بتفعيل استمارة النقل والاستضافة لطلبة الجامعات ابتداءاً من 1 تموز

قرار بتفعيل استمارة النقل والاستضافة لطلبة الجامعات ابتداءاً من 1 تموز

2026-06-23 23:02 6674
أوزبكستان تسقط بخماسية نظيفة أمام البرتغال في كأس العالم

أوزبكستان تسقط بخماسية نظيفة أمام البرتغال في كأس العالم

2026-06-23 22:23 4093
القضاء يكشف ضبط 98 مليار دينار و11 مليون دولار في قضية عدنان الجميلي

القضاء يكشف ضبط 98 مليار دينار و11 مليون دولار في قضية عدنان الجميلي

2026-06-23 19:59 5955
الرشيد يعلن شمول أكثر من 155 ألف متقاعد بخدمة أقساطي

الرشيد يعلن شمول أكثر من 155 ألف متقاعد بخدمة أقساطي

2026-06-23 19:01 5279
لجنة المحتوى الهابط تلاحق "زينة العبيدي" أمام محكمة الكرخ

لجنة المحتوى الهابط تلاحق "زينة العبيدي" أمام محكمة الكرخ

2026-06-23 18:01 5721
من مدرجات مونديال 2026.. رئيس الفيفا يشيد بيونس محمود ويتحدث عن العراق

من مدرجات مونديال 2026.. رئيس الفيفا يشيد بيونس محمود ويتحدث عن العراق

2026-06-23 16:50 4778
كأس العالم 2026... مواجهات قوية الليلة تتصدرها قمة البرتغال وأوزبكستان

كأس العالم 2026... مواجهات قوية الليلة تتصدرها قمة البرتغال وأوزبكستان

2026-06-23 16:08 5066
ترامب: العالم أصبح أكثر أماناً وأسعار النفط تتجه لانخفاض حاد

ترامب: العالم أصبح أكثر أماناً وأسعار النفط تتجه لانخفاض حاد

2026-06-23 15:01 5383
وزارة التربية تحدد موعد إعلان نتائج الثالث المتوسط

وزارة التربية تحدد موعد إعلان نتائج الثالث المتوسط

2026-06-23 14:54 5868
إطلاق راتب المعين المتفرغ لشهر حزيران

إطلاق راتب المعين المتفرغ لشهر حزيران

2026-06-23 13:18 5778
الحبس الشديد 5 سنوات لـ"يزن مشعان الجبوري" بتهمة الاحتيال واستغلال النفوذ

الحبس الشديد 5 سنوات لـ"يزن مشعان الجبوري" بتهمة الاحتيال واستغلال النفوذ

2026-06-23 13:14 5448
الفرات يواجه تدهوراً.. تقرير عراقي يدق ناقوس الخطر بشأن التلوث والجفاف

الفرات يواجه تدهوراً.. تقرير عراقي يدق ناقوس الخطر بشأن التلوث والجفاف

2026-06-23 12:34 5597
ثنائية العراق تُشعل الصراع.. مبابي على بُعد هدفين من رقم ميسي

ثنائية العراق تُشعل الصراع.. مبابي على بُعد هدفين من رقم ميسي

2026-06-23 12:00 5058