المطلع
عاجل

post-image

المواجهة الأمريكية الإيرانية: استنزافٌ لسيادة العراق واقتصاده الضحية الأولى


18:00 تقارير عربية ودولية
2026-09-30
50001

قد تبدو قرارات إغلاق المجال الجوي وحظر الطيران بوجه إيران في ظاهرها مناورةً سياسية موجهة ضد طهران، لكن الحقيقة الصادمة التي يتجاهلها صناع القرار في واشنطن هي أن الخنجر الذي أُريد به إضعاف الجار الإيراني قد أُغمد مباشرة في قلب الاقتصاد والسيادة العراقية.

 إن القبول أو حتى "الرضوخ" للرغبة الأمريكية بمنع حركة الطيران الإيراني من وإلى المطارات العراقية لا يمثل مجرد إرباك للملاحة الجوية، بل هو في جوهره محاولة انتحار اقتصادي وتقطيع قسري لأوردة الجغرافيا التي ربطت بين بلدين عبر آلاف السنين، ليبقى السؤال الأبرز: كيف أمسى العراق الضحية والمتضرر الأكبر من هذه المواجهة؟.

الفاتورة الإنسانية والاقتصادية التي يدفعها العراق

لم تكن نتائج قرار حظر وتقييد حركة الطيران بين البلدين مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تحولت إلى صدمة بالأرقام والوقائع شلت بشكل أو بآخر حركة الاقتصاد المحلي وشرايين الملاحة.

فوفقاً لغرفة التجارة المشتركة العراقية الإيرانية، بلغ حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين نحو 12 مليار دولار العام الماضي، مع وجود خطة طموحة كانت تستهدف الوصول به إلى 20 مليار دولار هذا العام، لا سيما وأن المنتجات الإيرانية تغطي وحدها نحو 20% من إجمالي الأسواق العراقية. 
ويُظهر هذا التداخل العميق موقع بغداد المحوري في الاقتصاد الإقليمي؛ حيث حل العراق في المركز الثاني كأكبر مستورد للصادرات الإيرانية (بواقع واردات بلغت نحو 7.5 مليار دولار عام 2022)، في حين لا يندرج العراق ضمن قائمة أول عشر دول تستورد منها إيران، مما يعني أن العراق هو الطرف الأكبر الذي يتحمل عبء هذا الاضطراب.
وعلى مستوى الملاحة والخدمات الأرضية، تتكبد المطارات العراقية خسائر مالية مباشرة وفظيعة؛ إذ تسجل حركة الطيران بين البلدين ما لا يقل عن 50 رحلة يومياً.

ومع احتساب أجور الخدمات الأرضية التي تبلغ بمعدل 1,500 دولار عن كل طائرة، يضاف إليها أجور الإقلاع والهبوط والمبيت (Parking) بمعدل 3,000 دولار لكل طائرة، فإن خسائر العراق في قطاع خدمات الطيران وحده تُقدر بحوالي 7 ملايين دولار شهرياً، تقتطع مباشرة من إيرادات الخطوط الجوية وإدارات المطارات الوطنية.

وأما على الصعيد الإنساني والاجتماعي، فقد تسبب حظر الملاحة في صعوبات حادة لشرائح واسعة من المواطنين:
الطلاب المبتعثون: يتواجد أكثر من 50 ألف طالب عراقي يدرسون في الجامعات الإيرانية، باتوا يواجهون اليوم تعقيدات ومخاطر حقيقية في متابعة دراستهم وتنقلاتهم الدورية.

المرضى ورجال الأعمال والزوار: واجه مئات العراقيين الباحثين عن العلاج المتقدم، إلى جانب القائمين على الحركة التجارية والسياحة الدينية، شللاً في رحلاتهم، واضطروا للجوء إلى خطوط السفر البري المكلفة والمجهدة.

انتهاك السيادة العراقية: من اغتيال المطار إلى حصار الأجواء
إن التماهي مع الضغوط الدولية في ملف الملاحة الجوية يعيد إلى الأذهان سلسلة متصلة من التجاوزات التي طالت السيادة العراقية على أرضه ومجاله الجوي.

فتجريد بغداد من قدرتها على اتخاذ قرار مستقل بشأن من يستخدم مطاراتها يتقاطع بشكل وثيق مع الحادثة التاريخية التي شهدها طريق مطار بغداد الدولي عام 2020، حين أقدمت إدارة واشنطن على اغتيال القادة "قاسم سليماني" و"أبو مهدي المهندس".

وكما شكل ذلك الاغتيال العسكري انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية العراقية ولأطر الاتفاقيات الأمنية، جاء هذا الحظر الجوي ليمثل وجهاً آخر من أوجه الضغط السياسي والاقتصادي "الناعم"؛ حيث تُستغل الممرّات الجوية والمطارات العراقية مرة أخرى كأداة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يضع الدولة العراقية في موقف المحرَج والعاجز عن حماية مصالح شعبها وأمنها القومي أمام الإملاءات الخارجية.

اختبار الأزمات: من ملف الديون والغاز إلى الطائرة التي أنقذت أربيل

لا يمكن قراءة قرارات حظر الطيران بمعزل عن ملف معقد آخر يمس شريان الطاقة العراقي، وهو ملف الديون المليارية المتراكمة لصالح طهران، لقاء واردات الغاز والكهرباء.

وعلى الرغم من ضخامة هذه المبالغ المحتجزة بسبب العقوبات والقيود المصرفية الدولية المفرؤضة على بغداد، إلا أن طهران لم تتخذ مسار المطالبة التعجيزية أو السداد الفوري القسري الذي قد يربك المالية العامة للعراق؛ بل أبدت مرونة وصبرا استراتيجيا يراعي العلاقات التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية مع بغداد، مستمرةً في تغذية محطات الطاقة العراقية والتعامل مع الأزمة بروح الشراكة والجوار.

ورغم هذا التعاطي والتساهل الإيراني في ملف الديون الحساس، يغفل المحركون لقرارات العزل عن أن العلاقات بين البلدين لا تُختزل في الحسابات المصرفية أو العقوبات المتبادلة، بل بالمحطات المفصلية التي اختُبرت فيها إرادة الصمود الميداني.

فعندما كان تنظيم "داعش" الإرهابي على وشك السيطرة على مدينة أربيل وتهديد إقليم كردستان والعراق برُمته، لم تنتظر إيران حسم الملفات الشائكة أو صدور القرارات الدولية؛ بل سارعت تلك الطائرات الإيرانية نفسها التي تُمنع اليوم من الهبوط في المطارات العراقية، إلى نقل الأسلحة والمستشارين والقوات العسكرية لدعم القوات العراقية والحشد الشعبي للدفاع عن العراق في مواجهة الإرهاب الذي مُوِّل ودُعِم من قبل الأطراف ذاتها التي تدفع باتجاه محاصرة إيران اليوم.

إن هذه الحادثة التاريخية تثبت أنه لو نشأت أي أزمة أمنية جديدة أو تهديد وجودي للعراق غداً، فإن إيران ستكون أول من يهرع لنجدة العراق والتصرف معه بمبدأ "الأخوة" التي تفرض عدم التخلي عن الجار في أوقات الشدة. ومن هنا تبدو قرارات تقييد حركة الملاحة الجوية والتضييق المالي تنكراً لواقع أمني واقتصادي برهن على صحته الميدان.

الجغرافيا والتاريخ: حتمية الجوار التي لن تزول

تؤكد حقائق التاريخ أن المقاربات التي تحاول فصل العراق عن محيطه الإقليمي تصطدم بحائط الجغرافيا الصلب.

فتاريخ المنطقة يروي قصص إمبراطوريات ودول كبرى مرت وسادت ثم بادت؛ تعاقبت الدولة العثمانية، ورحل النفوذ الفرنسي والإنجليزي، وتتغير اليوم السياسات الأمريكية، لكن ما بقي ثابتاً فوق هذه الأرض هو العراق وإيران كجارين أزليين ممتدين عبر آلاف السنين.
إن العراق وإيران دولتان تتمتعان بأهمية استراتيجية وجيوسياسية فائقة في الشرق الأوسط، وتداخل أمنهما القومي والاقتصادي والاجتماعي والديني  يجعل من المستحيل الاستغناء عن إحداهما أو ضرب استقرارها دون أن تتأثر الأخرى مباشرة. فالقاعدة الاستراتيجية الحاكمة لهذه الجغرافيا الممتدة تؤكد بصراحة أن خسارة إحدى هاتين الدولتين تعني حتماً خسارة الأخرى، وأن أي محاولة لإقامة جدار بينهما ستتكسر أمام ثوابت التاريخ والجوار.

ما بعد الحظر: الرهان الخاسر
في ختام هذه القراءة الاستقصائية، تتكشف الصورة جليّة بلا مواربة: إن حظر الطيران الإيراني في المطارات العراقية ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل توظيف الجغرافيا العراقية كساحة لتصفية الحسابات؛ حيث يُراد لبغداد أن تدفع من قوت مواطنيها، وصحة مرضاها، ومستقبل طلابها، وعوائد مطاراتها، ثمن سياسة أميركية وصراع إقليمي ودولي لم تكن طرفاً في اندلاعه (تماما كما أن إيران ليست إلا ضحية لهذه السياسة). 

إن الارتهان لسطوة الإملاءات المالية والسياسية الخارجية قد يمنح واشنطن مكسباً تكتيكياً مؤقتاً، لكنه يضع الدولة العراقية أمام إحراج سيادي خطر ينكث بعهود الجوار والوفاء لمن ساندها في أعتى أزماتها الأمنية.

ورغم ثقل الضغوط الراهنة وعمق النزيف المالي الذي قد تتكبده بغداد، يبقى الرهان على عزل البلدين رهاناً خاسراً؛ فالقوى الدولية والإمبراطوريات العابرة تتغير وتتبدل قواعدها بينما الجغرافيا تبقى حقيقة متجذرة صعبة التمزق.

بقلم:

ايفاريتا جعفر

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

عراقجي: لا فتح لهرمز ولا مفاوضات جديدة دون التزام واشنطن بمذكرة إسلام آباد

عراقجي: لا فتح لهرمز ولا مفاوضات جديدة دون التزام واشنطن بمذكرة إسلام آباد

2026-10-20 23:20 1700
الرئيس الإيراني: الحرب ليست في مصلحتنا ولا في مصلحة المنطقة أو العالم

الرئيس الإيراني: الحرب ليست في مصلحتنا ولا في مصلحة المنطقة أو العالم

2026-10-20 21:35 2552
المفوضية تنشر أسماء المرشحين البدلاء للفائزين بعضوية البرلمان + وثائق

المفوضية تنشر أسماء المرشحين البدلاء للفائزين بعضوية البرلمان + وثائق

2026-10-20 19:08 6444
إطلاق سراح جميع سائقي الصهاريج العراقيين المحتجزين في سوريا

إطلاق سراح جميع سائقي الصهاريج العراقيين المحتجزين في سوريا

2026-10-20 17:57 3331
بالوثيقة.. ضوابط استضافة طلبة معاهد الفنون الجميلة للدراسة المسائية

بالوثيقة.. ضوابط استضافة طلبة معاهد الفنون الجميلة للدراسة المسائية

2026-10-20 17:09 7694
صعود خام غرب تكساس خمسة بالمئة متجاوزاً مئة وتسعة دولارات للبرميل

صعود خام غرب تكساس خمسة بالمئة متجاوزاً مئة وتسعة دولارات للبرميل

2026-10-20 16:45 4561
مصرف الرشيد يصدر توضيحاً بشأن إطلاق السلف الالكترونية

مصرف الرشيد يصدر توضيحاً بشأن إطلاق السلف الالكترونية

2026-10-20 16:12 4357
المركزي العراقي يمدد دوام المصارف ويوجه بالعمل خلال العطل الرسمية

المركزي العراقي يمدد دوام المصارف ويوجه بالعمل خلال العطل الرسمية

2026-10-20 15:49 4261
التربية توجه باستثناء المحاضرين غير المستلمين لرواتبهم من إجراءات التسوية

التربية توجه باستثناء المحاضرين غير المستلمين لرواتبهم من إجراءات التسوية

2026-10-20 14:54 6337
انتشار مقاتلات تايفون بريطانية لحماية أجواء ومدن السعودية دفاعياً

انتشار مقاتلات تايفون بريطانية لحماية أجواء ومدن السعودية دفاعياً

2026-10-20 14:42 4440
المركزي يحسم تحويلات الاستيرادات وسط مخاوف ارتفاع أسعار السلع المحلية

المركزي يحسم تحويلات الاستيرادات وسط مخاوف ارتفاع أسعار السلع المحلية

2026-10-20 13:40 5137
أبل تقتحم عالم اللمس بحاسب محمول خارق وثورة تكنولوجية منتظرة

أبل تقتحم عالم اللمس بحاسب محمول خارق وثورة تكنولوجية منتظرة

2026-10-20 13:36 4394
وزير الداخلية يوجه بترقية الضباط بعد إكمال المدد القانونية دون شرط المنصب

وزير الداخلية يوجه بترقية الضباط بعد إكمال المدد القانونية دون شرط المنصب

2026-10-20 13:32 4055
باراك: ترامب يسعى للتوصل إلى سلام مع إيران وفتح مضيق هرمز

باراك: ترامب يسعى للتوصل إلى سلام مع إيران وفتح مضيق هرمز

2026-10-20 12:06 4971
تراجع طفيف بأسعار صرف الدولار في العراق

تراجع طفيف بأسعار صرف الدولار في العراق

2026-10-20 11:15 5428
الأنواء: العراق يتعرض لموجة مطرية متفاوتة خلال الأيام العشرة المقبلة

الأنواء: العراق يتعرض لموجة مطرية متفاوتة خلال الأيام العشرة المقبلة

2026-10-20 10:17 9114
ارتفاع أسعار النفط عالمياً وسط مخاوف اضطراب إمدادات الطاقة الاقليمية

ارتفاع أسعار النفط عالمياً وسط مخاوف اضطراب إمدادات الطاقة الاقليمية

2026-10-20 08:28 5525
البرلمان يعلن دعمه للإجراءات القانونية التي تتّخذها الحكومة لحماية السلم الأهلي

البرلمان يعلن دعمه للإجراءات القانونية التي تتّخذها الحكومة لحماية السلم الأهلي

2026-10-20 00:08 7996