المطلع
عاجل

post-image

دبلوماسية الحبل المشدود: أين تقف بغداد من عواصف الإقليم؟


18:09 تقارير عربية ودولية
2026-09-22
4460

تضع التحركات الأخيرة المتمثلة في إغلاق الحدود العراقية-الإيرانية الإدارة السياسية في بغداد أمام اختبار حقيقي لمفهوم "إدارة الأزمات"والتوازنات الاقليمية، مع تصاعد التوتر بين إيران والسعودية، وتزايد الضغوط لمنع "استخدام الأراضي العراقية" في تنفيذ "هجمات" على دول الجوار.

فالقرارات التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة غالباً ما يُنظر إليها كخطوات تحتاج إلى صبغة تتقاطع أكثر مع النظرة الاستراتيجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتوازنات إقليمية شائكة ومكونات اجتماعية وسياسية محلية ذات ثقل لا يمكن تجاهله.
فهل تملك بغداد خيارات التوازن الصعب دون التفريط بالسلم الأهلي؟.

كيف تدير بغداد صراع المحاور؟
في سبتمبر/أيلول 2026، أغلقت السلطات العراقية عددًا من المنافذ الحدودية مع إيران ضمن إجراءات قالت إنها إدارية وأمنية، عقب إعلان بغداد ثبوت انطلاق هجمات استهدفت السعودية من موقع داخل محافظة ميسان. وبعد أيام، أعيد فتح ثلاثة منافذ هي (الشيب والشلامجة ومندلي) أمام حركة المسافرين والتجارة.

وهذه التطورات تضع السياسة العراقية أمام سؤال أكبر من مجرد قرار أمني مؤقت: كيف تستطيع بغداد حماية أراضيها وسيادتها، من دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية؟.

قرار الحدود الإيرانية: حذر أمني أم رسالة سياسية؟
قرار إغلاق بعض المنافذ مع إيران جاء في سياق أمني حساس، ولذلك يصعب النظر إليه بمعزل عن التطورات الإقليمية المحيطة بالعراق.
فبغداد تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا لمنع انطلاق هجمات من أراضيها باتجاه دول الجوار، والحفاظ على علاقاتها مع إيران، وهي علاقات تتداخل فيها ملفات أمنية واقتصادية وسياسية عميقة.
ولكن أي إجراء على الحدود العراقية-الإيرانية يحمل، بطبيعته، أبعادًا تتجاوز الجانب الإداري.
فهذه الخطوات، وإن جرى تقديمها كإجراءات أمنية احترازية، توحي برغبة في خوض مواجهة مع واشنطن والدول العربية (أو امتصاص الضغوط الخارجية). لكنها في المقابل تُفسَّر داخلياً كاستجابة غير مدروسة تعرقل علاقات استراتيجية واقتصادية ضاربة في العمق، وتستهدف التضييق على بيئة اجتماعية وسياسية محددة.

ازدواجية التعاطي: اختبار سعودي للسيادة العراقية
تزداد الصورة تعقيداً عند مقارنة هذا الحزم الناشئ على الحدود الإيرانية بأسلوب التعاطي العراقي مع القصف السعودي لمواقع أمنية داخل العراق. 

ففي سبتمبر، قالت الرياض أن خط أنابيب النفط "شرق-غرب" تعرض لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية. 
الحكومة العراقية أعلنت حينها اتخاذ إجراءات أمنية وتحقيقية، بينها إعفاء مسؤولين أمنيين وفتح تحقيقات، وضبط منصات لإطلاق المسيّرات.
وفي الوقت الذي اتهمت الرياض الحشد الشعبي بشن الهجمات، أعلنت جماعة "أنصار الله" في اليمن بوضوح مسؤوليتها عن الهجمات. هذه المسألة أثارت تساؤلات حول حدود هذه "الوسطية" وما إذا كانت تُقرأ كضعف من قبل الخارج والداخل في صون السيادة.

معادلة الوسطية وأوراق الضغط
تحاول الحكومة العراقية تقديم نفسها كطرف وسطي يقف على مسافة واحدة من الجميع (وهذه سياسة أكسبت العراق عوامل قوة واستقرار نوعا ما)؛ فهي تسعى لتجنب الصدام مع واشنطن والدول العربية وفي مقدمتها السعودية من جهة، وتحرص على إدارة المشهد الداخلي والعلاقات مع طهران من جهة أخرى. 
لكن السير على هذا الحبل المشدود يتطلب امتلاك "أوراق موازنة" حقيقية. فالحياد السياسي لا يعني بالضرورة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في كل قضية، بل يفترض، قبل ذلك، امتلاك الدولة القدرة على فرض قواعد واضحة على أراضيها وأجوائها وحدودها.
وبناء عليه، فإن التحدي أمام بغداد لا يتمثل فقط في إرضاء هذا الطرف أو تجنب إغضاب ذاك، وإنما في تثبيت قاعدة أبسط لكن أهم: الأراضي العراقية لا ينبغي أن تتحول إلى منصة لشن هجمات على دول أخرى، وفي المقابل لا ينبغي أن تصبح هدفًا مفتوحًا للردود العسكرية الخارجية. 
والأمر لا يتوقف على البعد العسكري، حيث يبرز قرار تعليق الرحلات الجوية بين العراق وإيران، ليفتح باب التساؤلات، لاسيما وأن المراقبين يربطونه بضغوط الولايات المتحدة لعزل طهران ودفعها بحلفائها وحتى خصومها لتعليق الرحلات الجوية مع إيران.

بين الحلول المؤقتة وفرض السيادة
أثبتت التطورات الأخيرة أن هامش المناورة أمام بغداد ليس كبيرا كما يظن البعض.
فمن جهة، تحتاج الحكومة إلى منع اتساع دائرة المواجهة، وطمأنة دول الجوار إلى أن الأراضي العراقية لن تُستخدم لتهديد أمنها.
ومن جهة أخرى، تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وتجنب انتقال التوتر الإقليمي إلى الداخل العراقي، في ظل سرعة انعكاس الأحداث الاقليمية على الوضع الداخلي.
 

اختبار الإرادة الوطنية
وهنا، لا بد من التأكيد على أن السياسة الناجحة لا تقاس بقدرتها على التهدئة اللحظية فحسب، بل بمدى صمودها في حماية المصالح السيادية والتلاحم الداخلي، مع حفظ العلاقات الجيدة والندية مع المحيط والعالم. 
وفي منطقة تتداخل فيها التحالفات والحسابات الأمنية والاقتصادية، تبدو مهمة بغداد أشبه بالسير على حبل مشدود: خطوة غير محسوبة قد تفتح جبهة جديدة، وخطوة "محسوبة" أكثر من اللازم قد تُفهم على أنها تراجع عن استقلال القرار.

وبينما تتأرجح قرارات بغداد بين تجنب مواجهة الحلفاء الإقليميين والدوليين وبين مقتضيات الاستقرار الداخلي، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السلطة الاستمرار في فرض التهدئة بمثل هذه القرارات ، أم أن الوقت قد حان لصياغة عقيدة استراتيجية أمنية وسياسية واضحة، تحمي مصالح العراق وتصون السلم الأهلي وتفرض احترام السيادة العراقية على الجميع دون استثناء؟.


بقلم: ایفاريتا جعفر

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

مع إغلاق البورصات.. أسعار الدولار تتراجع في بغداد و أربيل

مع إغلاق البورصات.. أسعار الدولار تتراجع في بغداد و أربيل

2026-09-22 18:23 903
اختتام الجولة الثالثة من الدوري العراقي الممتاز بانتصارين وثلاثة تعادلات

اختتام الجولة الثالثة من الدوري العراقي الممتاز بانتصارين وثلاثة تعادلات

2026-09-22 18:18 1049
الأمم المتحدة تدعو لخفض التصعيد بالشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة البحرية

الأمم المتحدة تدعو لخفض التصعيد بالشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة البحرية

2026-09-22 18:17 866
ترامب: سنتوصل إلى صفقة مع إيران بعد الانتخابات النصفية في أمريكا

ترامب: سنتوصل إلى صفقة مع إيران بعد الانتخابات النصفية في أمريكا

2026-09-22 18:13 1002
دبلوماسية الحبل المشدود: أين تقف بغداد من عواصف الإقليم؟

دبلوماسية الحبل المشدود: أين تقف بغداد من عواصف الإقليم؟

2026-09-22 18:09 4460
رويترز: الحوثيون يسعون لعزل المندب وترامب يتجنب تقديم دعم عسكري

رويترز: الحوثيون يسعون لعزل المندب وترامب يتجنب تقديم دعم عسكري

2026-09-21 22:41 6074
الحكم بحبس جمال الكربولي سنة مع وقف التنفيذ وتغريمه 4.5 ملايين دولار

الحكم بحبس جمال الكربولي سنة مع وقف التنفيذ وتغريمه 4.5 ملايين دولار

2026-09-21 21:38 14597
رئيس الوزراء يبارك توحيد قوات البيشمركة: خطوة لترسيخ الأمن الوطني

رئيس الوزراء يبارك توحيد قوات البيشمركة: خطوة لترسيخ الأمن الوطني

2026-09-21 17:46 16684
البرلمان يتحرك لمواجهة أزمة الوقود ويوصي بمراجعة أسعار المشتقات النفطية

البرلمان يتحرك لمواجهة أزمة الوقود ويوصي بمراجعة أسعار المشتقات النفطية

2026-09-21 17:44 6922
بكوادر وأجهزة متطورة.. العراق يستعد لإطلاق منصة للتبليغ عن النعرات الطائفية

بكوادر وأجهزة متطورة.. العراق يستعد لإطلاق منصة للتبليغ عن النعرات الطائفية

2026-09-21 16:23 7430
استرداد51 مليار دينار في قضية فساد مالي وإداري

استرداد51 مليار دينار في قضية فساد مالي وإداري

2026-09-21 16:18 12238
الإعلان الرسمي لتوحيد البيشمركة تحت مظلة الوزارة ومنظومة الدفاع العراقية

الإعلان الرسمي لتوحيد البيشمركة تحت مظلة الوزارة ومنظومة الدفاع العراقية

2026-09-21 13:54 6868
بالوثيقة.. منح امتحان تعويضي للمتغيبين عن الدور الثاني من الصفوف غير المنتهية

بالوثيقة.. منح امتحان تعويضي للمتغيبين عن الدور الثاني من الصفوف غير المنتهية

2026-09-21 13:50 12237
​السيستاني ينعى المرجع الزنجاني: رحيله مصاب أليم

​السيستاني ينعى المرجع الزنجاني: رحيله مصاب أليم

2026-09-21 11:39 12612
أسعار صرف الدولار تعاود الانخفاض في أسواق بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار تعاود الانخفاض في أسواق بغداد وأربيل

2026-09-21 11:36 6804
النزاهة تُحبط تزوير 120 معاملة عقارية وتُلقي القبض على 8 موظفين بميسان

النزاهة تُحبط تزوير 120 معاملة عقارية وتُلقي القبض على 8 موظفين بميسان

2026-09-21 10:39 13381
الأنواء: غبار وانخفاض في درجات الحرارة نهاية الأسبوع

الأنواء: غبار وانخفاض في درجات الحرارة نهاية الأسبوع

2026-09-21 09:56 10464
تراجع أسعار النفط العالمية وبرنت يسجل 101.71 دولار للبرميل

تراجع أسعار النفط العالمية وبرنت يسجل 101.71 دولار للبرميل

2026-09-21 09:20 6840