المطلع
عاجل

post-image

معركة الشروط الكبرى... طهران تربط الملاحة العالمية بمصير لبنان


23:15 تقارير عربية ودولية
2026-06-04
34826

في وقت تتسارع فيه الجهود الدبلوماسية لتثبيت هدنة ما زالت هشة بين إيران والولايات المتحدة، تبدو المنطقة وكأنها تقف مجدداً على حافة مواجهة واسعة قد تمتد من مياه الخليج إلى الحدود اللبنانية. 

فبينما تسعى واشنطن إلى انتزاع اتفاق يضمن إعادة فتح مضيق هرمز واحتواء تداعيات الحرب التي فشلت في تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، تتمسك طهران بمعادلة مختلفة تماماً، تقوم على ربط أي تفاهم مستقبلي بإنهاء التوتر على جميع الجبهات، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية التي باتت تحتل موقعاً محورياً في حسابات الصراع الإقليمي.

وفي أحدث مؤشر على هذا التوجه، أكد الحرس الثوري الإيراني أن موافقته على وقف إطلاق النار خلال الحرب الأخيرة لم تكن مرتبطة بالساحة الإيرانية وحدها، بل شملت وقف العمليات العسكرية على امتداد الجبهات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان. 

وشدد الحرس الثوري على ضرورة الوقف الفوري للهجمات الإسرائيلية ضد اللبنانيين، والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي تصفها طهران بالمحتلة، مع الاعتراف الكامل بوحدة الأراضي اللبنانية، معتبراً أن أي تسوية لا تحقق هذه الشروط لن توفر استقراراً حقيقياً للمنطقة ولن تحظى بقبول القوى المناهضة لإسرائيل.

هذا الموقف عززه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني الذي اعتبر أن الحد الأدنى من مطالب قوى المقاومة يتمثل بعودة إسرائيل إلى مواقع ما قبل الحرب الأخيرة، مؤكداً أن دعم المقاومة في لبنان يمثل جزءاً من الالتزامات الاستراتيجية الإيرانية، في رسالة واضحة بأن طهران تنظر إلى مفاوضاتها مع واشنطن باعتبارها جزءاً من معركة إقليمية أشمل لا يمكن فصل ملفاتها عن بعضها البعض.

وجاء هذا التصعيد السياسي بعد تحذيرات مباشرة أطلقها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن أي هجوم إسرائيلي جديد على بيروت ستكون له تداعيات خطيرة قد تقود إلى استئناف الحرب على نطاق واسع.

وأوضح عراقجي أن إيران لا تفصل بين الحرب التي خاضتها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وبين التطورات في لبنان، مشدداً على أن العودة إلى طاولة المفاوضات تتطلب ضمان حقوق الشعب الإيراني وإنهاء الحرب في لبنان وخفض التوترات الإقليمية بصورة شاملة.

في المقابل، تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفصل بين الملفات المتشابكة، إذ أعلن ترامب أن المفاوضات الجارية مع إيران تسير بشكل جيد للغاية، مؤكداً أن واشنطن تعمل على فصل قضية إعادة فتح مضيق هرمز عن الصراع الدائر في لبنان. 

كما أشار إلى أن نتائج ملموسة قد تظهر خلال أيام قليلة، من دون أن يخفي في الوقت نفسه احتمال فشل هذه المساعي.

وتسعى الولايات المتحدة إلى التوصل لاتفاق مؤقت يضمن وقف الحرب وإعادة الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع وضع ترتيبات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب. 

إلا أن طهران ترفض الخوض في التفاصيل النووية حالياً، وتصر على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف شامل لإطلاق النار ورفع الحصار الأميركي عن موانئها والإفراج عن جزء من عائداتها النفطية المجمدة، إلى جانب الحفاظ على نفوذها ودورها في إدارة الممرات البحرية الحيوية.

ورغم الحديث المتزايد عن فرص التوصل إلى تفاهم سياسي، فإن الهدنة الحالية لا تزال تواجه اختبارات ميدانية متكررة. 

فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات وصفتها بالدفاعية داخل جنوب إيران، استهدفت مواقع في جزيرة قشم القريبة من مضيق هرمز بعد اتهامات بمحاولات إيرانية لتنفيذ هجمات ضد القوات الأميركية. 

وأكدت القيادة الأميركية اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، مشيرة إلى عدم تسجيل أي إصابات في صفوف قواتها.

وفي الوقت نفسه، نفت القيادة المركزية الأميركية صحة الرواية الإيرانية المتعلقة باستهداف مقر الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة جوية أميركية في المنطقة، كما اتهمت طهران بالمسؤولية المباشرة عن الهجوم الذي طال مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي.

لكن الحرس الثوري الإيراني رفض هذه الاتهامات، مؤكداً أن الأضرار في المطار نجمت عن صواريخ اعتراض أميركية أخطأت أهدافها، ومعلناً في المقابل استهداف قاعدة علي السالم في الكويت ومقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين رداً على ضربات أميركية طالت ناقلة نفط إيرانية ومحطة اتصالات في جزيرة قشم، فضلاً عن استهداف سفينة مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي خضم هذه المواجهة المفتوحة، يبقى مضيق هرمز أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية.

فالممر البحري الذي يعبر من خلاله نحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم لا يزال مغلقاً إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب، في حين تواصل الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية في محاولة لزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية.

وتؤكد الأرقام التي أعلنتها القيادة المركزية الأميركية حجم المعركة الدائرة في مياه الخليج، إذ أشارت إلى إعادة توجيه 127 سفينة تجارية حتى الرابع من يونيو، وتعطيل ست سفن لم تمتثل لإجراءات الحصار، مقابل السماح بمرور 36 سفينة مرتبطة بالمساعدات الإنسانية. وتعكس هذه الإجراءات قناعة متزايدة داخل الإدارة الأميركية بأن الضغط الاقتصادي والحصار البحري قد يكونان أكثر فعالية من توسيع العمليات العسكرية المباشرة.

غير أن الضغوط لا تقتصر على الخارج فقط، إذ يواجه ترامب تحديات داخلية متزايدة بعد تصويت مجلس النواب الأميركي لصالح قرار يدعو إلى وقف العمليات العسكرية ضد إيران.

وجاء القرار بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208 أصوات، بعد انضمام أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين، في أول خطوة من نوعها منذ اندلاع الحرب قبل أشهر.

ووصف ترامب التصويت بأنه غير وطني وعديم الجدوى، معتبراً أنه يأتي في توقيت حساس بينما تجري مفاوضاته النهائية لإنهاء الحرب مع الجمهورية الإسلامية. 

لكن الديمقراطيين يواصلون اتهامه بتجاوز صلاحياته الدستورية بعد تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران بالتنسيق مع إسرائيل من دون تفويض صريح من الكونغرس، في حين يتمسك البيت الأبيض بأن العمليات الحالية تندرج ضمن حماية القوات الأميركية وفرض الحصار البحري ولا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة.

وبحسب تسريبات نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، فإن ترامب أبلغ مساعديه بشكل غير معلن أنه لا يعتزم العودة إلى حرب واسعة مع إيران ما لم تتعرض القوات الأميركية لخسائر مباشرة، في مؤشر على إدراك البيت الأبيض للمخاطر الكبيرة التي قد تنجم عن أي تصعيد جديد في الخليج أو لبنان، وما قد يسببه ذلك من انهيار للمسار التفاوضي الهش.

ورغم هذه المؤشرات، فإن التفاؤل لا يزال محدوداً، فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنه لم يتحقق أي تقدم ملموس خلال الجولات الأخيرة من المحادثات مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين. وتتركز هذه الخلافات بشكل خاص حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، حيث تطالب واشنطن بتقليص الأنشطة النووية والتخلي عن كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، بينما تصر طهران على أن برنامجها النووي سلمي وترفض تقديم تنازلات استراتيجية قبل رفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.

وهكذا، وبينما تتحرك الوساطات الدولية والإقليمية في محاولة لتمديد الهدنة وفتح باب التسوية، تبدو المعادلة الحالية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. 

فإيران تتمسك بربط أمن الخليج بمصير لبنان، وتواصل استخدام أوراق القوة التي تمتلكها في مضيق هرمز وساحات النفوذ الإقليمية، فيما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل ترجمة نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية لم تنجحا في تحقيقها عسكرياً. 

وبين هذين المسارين، يبقى الشرق الأوسط معلقاً بين احتمال التوصل إلى تفاهم مؤقت يخفف من حدة الأزمة، وبين خطر العودة إلى مواجهة أوسع قد تعيد إشعال المنطقة بأكملها.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

قطر تودع كأس العالم بخسارتها أمام البوسنة بثلاثة أهداف لهدف

قطر تودع كأس العالم بخسارتها أمام البوسنة بثلاثة أهداف لهدف

2026-06-24 23:59 4165
حقي الخالدي قائداً لعمليات الحشد الشعبي في الأنبار

حقي الخالدي قائداً لعمليات الحشد الشعبي في الأنبار

2026-06-24 21:06 6036
العراق يؤكد للإمارات رفضه الحرب والتصعيد العسكري والحل عبر الدبلوماسية

العراق يؤكد للإمارات رفضه الحرب والتصعيد العسكري والحل عبر الدبلوماسية

2026-06-24 22:47 5931
القيادة المركزية الأمريكية تعلن مقتل قيادي كبير بداعش في سوريا

القيادة المركزية الأمريكية تعلن مقتل قيادي كبير بداعش في سوريا

2026-06-24 20:13 4862
هيئة الجمارك تعلن اعتماد التحقق الإلكتروني للشهادات والفواتير اعتباراً من هذا التاريخ

هيئة الجمارك تعلن اعتماد التحقق الإلكتروني للشهادات والفواتير اعتباراً من هذا التاريخ

2026-06-24 20:02 4890
توجيه بإيقاف الضخ وتقليص الإنتاج في حقل غرب القرنة بمحافظة البصرة

توجيه بإيقاف الضخ وتقليص الإنتاج في حقل غرب القرنة بمحافظة البصرة

2026-06-24 18:11 5427
الدولار ينهي تداولات الأربعاء على ارتفاع في بغداد وتراجع في أربيل

الدولار ينهي تداولات الأربعاء على ارتفاع في بغداد وتراجع في أربيل

2026-06-24 17:00 6297
الداخلية تكشف بالأرقام حجم الشائعات المتداولة خلال الأسبوع الأول من محرم

الداخلية تكشف بالأرقام حجم الشائعات المتداولة خلال الأسبوع الأول من محرم

2026-06-24 16:01 5841
ترامب يكشف تفاصيل جديدة بشأن التفاهمات مع إيران

ترامب يكشف تفاصيل جديدة بشأن التفاهمات مع إيران

2026-06-24 15:55 5662
بالأرقام... تصاعد الدين الداخلي للعراق وتراجع مستمر في الديون الخارجية

بالأرقام... تصاعد الدين الداخلي للعراق وتراجع مستمر في الديون الخارجية

2026-06-24 14:30 6040
مونديال 2026: العرب في قلب المنافسة.. وضربات الإصابات تسبق مواجهات الحسم

مونديال 2026: العرب في قلب المنافسة.. وضربات الإصابات تسبق مواجهات الحسم

2026-06-24 13:39 6719
توجيه بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب بحق مصنعي ومستخدمي الطائرات المسيرة "المخالفة"

توجيه بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب بحق مصنعي ومستخدمي الطائرات المسيرة "المخالفة"

2026-06-24 12:18 5992
الدولار يتراجع في بغداد وأربيل بعد نفي رسمي لتعديل سعر الصرف

الدولار يتراجع في بغداد وأربيل بعد نفي رسمي لتعديل سعر الصرف

2026-06-24 11:23 4348
كمين محكم يوقع بشبكة فساد داخل منفذ جمرك جيمن في كركوك

كمين محكم يوقع بشبكة فساد داخل منفذ جمرك جيمن في كركوك

2026-06-24 10:31 5809
الأنواء: غبار محلي وارتفاع جديد بدرجات الحرارة خلال الأيام المقبلة

الأنواء: غبار محلي وارتفاع جديد بدرجات الحرارة خلال الأيام المقبلة

2026-06-24 09:10 4632
بين فرحة التأهل وقلق العائلة... ميسي يتلقى نبأً يخفف عنه ضغط كأس العالم

بين فرحة التأهل وقلق العائلة... ميسي يتلقى نبأً يخفف عنه ضغط كأس العالم

2026-06-23 22:14 6467
غوغل تطلق أندرويد 17 بميزات جديدة في الذكاء الاصطناعي والخصوصية

غوغل تطلق أندرويد 17 بميزات جديدة في الذكاء الاصطناعي والخصوصية

2026-06-23 23:59 6883
الجمارك تعلن نجاح تنفيذ أول عملية ترانزيت إلى الإمارات

الجمارك تعلن نجاح تنفيذ أول عملية ترانزيت إلى الإمارات

2026-06-23 22:01 8346