المطلع
عاجل

post-image

إيران تتحدى القوة الأمريكية: الصمود والممر الاستراتيجي كرمزين للتوازن الجديد


14:04 تقارير عربية ودولية
2026-03-26
57110

تحولت الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ بداياتها إلى اختبار استثنائي لطبيعة القوة والقدرة على الصمود في عصر يزداد فيه تعقيد الصراعات الدولية بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والتقنيات العسكرية، ولم تعد المعركة مجرد مواجهة تقليدية تُقاس بعدد الضربات أو حجم الخسائر، بل أصبحت مقياسًا لفهم كيفية إدارة الدول الصراعات، وتحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي، أو على الأقل السيطرة على نتائج الحرب.

ومنذ انطلاق العمليات، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات الجوية المكثفة، والاغتيالات المستهدفة للقيادات البارزة، والضغط العسكري المتواصل سيكون كافيًا لإجبار إيران على الانخراط سريعًا في اتفاق تفاوضي أو القبول بشروط سياسية أمريكية إسرائيلية.

ومع ذلك، أظهرت تقارير نيوزويك، وواشنطن بوست، وتلغراف، ونيويورك تايمز أن الواقع كان أكثر تعقيدًا من هذه التوقعات، وأن إيران لم تُظهر أي ميول للتراجع السريع، بل عملت على رفع كلفة الحرب على خصومها، وتحويل الصمود إلى مكسب معنوي وسياسي.
مضيق هرمز: قلب الصراع الاستراتيجي
يبرز مضيق هرمز كعامل استراتيجي أساسي، ليس فقط كمسار ملاحي لنقل النفط، بل كأداة ضغط يمكنها التأثير في الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، وتحويل النزاع العسكري إلى لعبة معقدة من التكلفة الاقتصادية والسياسية. فعلى الرغم من تهديد السفن التجارية وعمليات التفتيش التي فرضتها إيران، لم تتوقف الحركة التجارية بشكل كامل، ما منح طهران مساحة للمناورة والسيطرة على تداعيات الحرب على المستوى الإقليمي والدولي، وفق تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وقائد القوة الجو فضائية في الحرس الثوري الإيراني، والمتحدث العسكري الإيراني، بالإضافة إلى المصادر الإقليمية والعمانية التي أشارت إلى جهود ضمان المرور الآمن في الخليج.
كما أوردت واشنطن بوست أن هذا الضغط لم يُستغل لكسر إرادة النظام الإيراني، بل أتاح له توسيع نطاق المناورة، ورفع تكلفة الحرب على الخصوم، وتحويل الضربات العسكرية إلى فرصة لتقوية الموقف التفاوضي والسياسي لطهران، وهو ما انعكس في الاستخدام الذكي للصواريخ والطائرات المسيّرة اليومية ضد مواقع إسرائيلية وأمريكية، وفق نيوزويك، ووفق ما أشار إليه المراسل العسكري جيانلوكا دي فيو في صحيفة "La Repubblica" الإيطالية عن استمرار اختراق الذخائر العنقودية للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية ونقص مخزون صواريخ Arrow 3.
الفشل في التقدير العسكري والسياسي
رغم الضربات المكثفة، واستهداف القيادات البارزة، لم تتحقق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل المعلنة أو المتوقعة: لم يتم إسقاط النظام الإيراني، ولم تُفرض تسوية سياسية سريعة. بل على العكس، أظهرت إيران قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب حساباتها، واستغلال كل رد فعل لتعزيز موقفها الداخلي والخارجي، وفق نيوزويك وتلغراف.
أكد المسؤول العسكري الإسرائيلي أوفير أكونيس أن مجرد استمرار الدولة الإيرانية في العمل يعتبر "انتصارًا"، بالنظر إلى حجم إيران مقارنة بإسرائيل، إذ تبلغ مساحة إيران نحو 80 ضعف مساحة إسرائيل تقريبًا نصف حجم أوروبا، وتمتلك جهازًا أمنيًا ضخمًا ومؤسسات متماسكة. هذا يعكس حقيقة أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لإحداث تغيير سياسي جذري عندما يكون الخصم ذا بنية مؤسساتية قوية ومتجذرة.
الرهان على الداخل الإيراني
من أكبر أخطاء التقدير الأمريكية والإسرائيلية، الاعتماد على احتمال أن يؤدي القمع والضربات العسكرية إلى إشعال احتجاجات شعبية واسعة قد تفضي إلى انهيار النظام. الواقع كان مختلفًا تمامًا، كما أوردت تلغراف ونيويورك تايمز: القبضة الأمنية المحكمة، والذاكرة الوطنية المناهضة للتدخل الخارجي، والإدراك الشعبي للمخاطر، كلها عوامل حالت دون انفجار شعبي يؤدي إلى تغيير سياسي. حتى الاحتجاجات التي سبقت الحرب واجهت قمعًا شديدًا، مما جعل النزول إلى الشارع مخاطرة كبيرة، وليس خيارًا سياسيًا فعالًا.
أدى هذا الوضع إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع الإيراني، حيث أصبح الخطر الخارجي عامل توحيد، لا تفكيك، وهو ما يفسر استمرار دعم قطاعات واسعة من الشعب للنظام حتى في مواجهة الضربات الجوية والاغتيالات.
الغموض الأمريكي والتباين في الرؤية
على الجانب الأمريكي، بدا التذبذب واضحًا في تصريحات الرئيس دونالد ترمب حول أهداف الحرب، ونشر القوات البرية، وإمكانية إنهاء الصراع، وكذلك المفاوضات مع إيران، وفق تقارير أكسيوس ووكالة فارس. هذا التذبذب زاد من غموض تعريف النصر، وجعل الاستراتيجية الأمريكية تبدو مشتتة وغير متسقة، مع الاعتماد على التفوق العسكري كأداة ضغط أساسية دون وجود خطة سياسية واضحة.
درس البيت الأبيض عدة سيناريوهات عسكرية، من بينها السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، أو إرسال تعزيزات بحرية لضمان مرور ناقلات النفط، بينما ظلت الوسائل الدبلوماسية مطروحة بمشاركة دول خليجية وأوروبية لضمان توازن القوى وعدم التصعيد الكامل.
معركة أهداف غير متناظرة
الحرب تحولت تدريجيًا إلى معركة أهداف غير متناظرة: الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بينما إيران نجحت في الصمود، ورفع تكلفة الحرب، والتحكم في نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز، وتحويل مجرد البقاء إلى مكسب معنوي وسياسي، وفق نيوزويك وواشنطن بوست.
هذا الواقع كشف عن حدود القوة العسكرية حين تغيب الرؤية السياسية الشاملة، وهو ما أشار إليه فيل كلاي في نيويورك تايمز وباتريك كوكبيرن في آي بيبر، حيث شددوا على أن التفوق العسكري وحده لا يترجم بالضرورة إلى مكسب سياسي ملموس، وأن الاستعراض العسكري أصبح بديلاً عن الاستراتيجية الحقيقية.
تباين التحالفات الإقليمية
على مستوى التحالفات الإقليمية، برزت تباينات واضحة:
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضغط على ترمب لمواصلة الحرب، معتبرًا الفرصة "تاريخية" لإعادة تشكيل المنطقة وتقليص تأثير إيران.
في المقابل، دول مثل باكستان وقطر وبعض دول الخليج الأخرى سعت لتقديم حلول دبلوماسية، وإنهاء الحرب عبر المفاوضات، مع التركيز على حماية مصالحها الوطنية وتجنب التصعيد الكامل.
هذا التباين يعكس تعقيد النزاع العسكري، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية في رسم مآلاته.
الرد الإيراني المستمر
أكدت طهران، عبر الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني، استمرار القدرة على الرد، وضمان المرور الآمن في الخليج، واستخدام كل الوسائل المتاحة لحماية مصالحها الوطنية، بما في ذلك الهجمات الاستباقية على منشآت عسكرية إسرائيلية وأمريكية، وهو ما يوضح جدية إيران في إدارة الحرب وفق مبدأ الردع المتوازن.
الدروس المستخلصة
أظهرت الحرب على إيران أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لتغيير واقع سياسي متماسك، وأن مجرد الصمود وإدارة النقاط الاستراتيجية يمكن أن يحوّل القوة إلى نفوذ سياسي. إيران لم تنهَر ولم تستسلم، بينما الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان صعوبة في تحقيق أهدافهما السياسية رغم التفوق العسكري.
مضيق هرمز أصبح رمزًا للقدرة على التحكم في المسار الاستراتيجي، وأظهرت الحرب أن إدارة التعقيد، والصبر، والتحكم في الجغرافيا، قد تكون أكثر أهمية من أي هجوم صاروخي أو ضربات جوية.
بعبارة أخرى، العالم يشهد تحولًا في مفهوم القوة: لم يعد النصر يُقاس بعدد القتلى أو تدمير المنشآت فقط، بل بالقدرة على فرض شروط التحكم، ورفع تكلفة النزاع على الخصم، وتحويل مجرد البقاء إلى انتصار معنوي وسياسي، وهو درس مهم لكل الصراعات المعاصرة.

المصادر:

نيوزويك (تقرير عن الحرب على إيران، مارس 2026)
واشنطن بوست (تحليلات حول الضغط على مضيق هرمز واستراتيجية إيران، فبراير 2026)
تلغراف (تحليلات عن الاحتجاجات الداخلية والرهانات الأمريكية الإسرائيلية، مارس 2026)
نيويورك تايمز (مقالات رأي فيل كلاي حول غياب استراتيجية واضحة، مارس 2026)
آي بيبر (تحليلات باتريك كوكبيرن عن هشاشة القوة الأمريكية، مارس 2026)
La Repubblica (جيانلوكا دي فيو، تقرير عن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية واختراق الصواريخ، مارس 2026)
أكسيوس (سيناريوهات عسكرية أمريكية حول مضيق هرمز، مارس 2026)
وكالة فارس الإيرانية (تصريحات رسمية حول الموقف الإيراني والمفاوضات، مارس 2026).

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

صحيفة: إيران تنسق مع حلفائها بالمنطقة تحسباً لاستهداف القوات الأمريكية

صحيفة: إيران تنسق مع حلفائها بالمنطقة تحسباً لاستهداف القوات الأمريكية

2026-08-01 22:41 3541
تفشي وباء قاتل في أفريقيا ووفيات قياسية تُعجز الطواقم الطبية

تفشي وباء قاتل في أفريقيا ووفيات قياسية تُعجز الطواقم الطبية

2026-08-01 21:05 3613
صراع ثلاثي بالدوري الفرنسي للتعاقد مع موهبة ريال مدريد الأرجنتينية

صراع ثلاثي بالدوري الفرنسي للتعاقد مع موهبة ريال مدريد الأرجنتينية

2026-08-01 19:58 3688
بغداد.. تعطيل الدوام غداً بمناسبة أربعينية الإمام الحسين

بغداد.. تعطيل الدوام غداً بمناسبة أربعينية الإمام الحسين

2026-08-01 19:52 28007
ترحيب أمريكي بالاتفاق النفطي الجديد بين العراق وتركيا

ترحيب أمريكي بالاتفاق النفطي الجديد بين العراق وتركيا

2026-08-01 18:07 3781
مع الإغلاق المسائي.. أسعار الدولار تسجل صعوداً جديداً في بغداد وأربيل

مع الإغلاق المسائي.. أسعار الدولار تسجل صعوداً جديداً في بغداد وأربيل

2026-08-01 17:23 4318
تفاهم عراقي _ تركي لاستئناف ضخ 750 ألف برميل نفط يومياً عبر جيهان

تفاهم عراقي _ تركي لاستئناف ضخ 750 ألف برميل نفط يومياً عبر جيهان

2026-08-01 16:07 3561
تمهيداً لرفعه إلى البرلمان.. مراجعة شاملة للصيغة النهائية للبرنامج الحكومي

تمهيداً لرفعه إلى البرلمان.. مراجعة شاملة للصيغة النهائية للبرنامج الحكومي

2026-08-01 15:37 33017
تحذير أمني عاجل من السفارة الأمريكية في بغداد وقنصلية أربيل

تحذير أمني عاجل من السفارة الأمريكية في بغداد وقنصلية أربيل

2026-08-01 15:30 4723
رسمياً.. برشلونة يحسم ثالث صفقاته الصيفية

رسمياً.. برشلونة يحسم ثالث صفقاته الصيفية

2026-08-01 14:51 3684
واشنطن لرعاياها بالشرق الأوسط: توخوا الحذر واستعدوا للمغادرة

واشنطن لرعاياها بالشرق الأوسط: توخوا الحذر واستعدوا للمغادرة

2026-08-01 14:47 4058
الديوانية.. توقيف ضابط ومنتسبين اعتدوا على نزيلة بمركز شرطة النهضة

الديوانية.. توقيف ضابط ومنتسبين اعتدوا على نزيلة بمركز شرطة النهضة

2026-08-01 13:21 3594
الإعلام الأمني: أكثر من 4 ملايين زائر وافد للعراق منذ الأول من محرم

الإعلام الأمني: أكثر من 4 ملايين زائر وافد للعراق منذ الأول من محرم

2026-08-01 12:53 3935
ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع بدء تعاملات الأسبوع

ارتفاع جديد لأسعار الدولار في بغداد وأربيل مع بدء تعاملات الأسبوع

2026-08-01 12:18 4288
طقس العراق.. تصاعد للغبار واستمرار في ارتفاع درجات الحرارة

طقس العراق.. تصاعد للغبار واستمرار في ارتفاع درجات الحرارة

2026-08-01 09:15 15683
اختراق أنظمة حقيقية.. نماذج ذكاء اصطناعي تتجاوز بيئة المحاكاة وتفجر مخاوف

اختراق أنظمة حقيقية.. نماذج ذكاء اصطناعي تتجاوز بيئة المحاكاة وتفجر مخاوف

2026-07-31 22:13 6283
العراق.. خطط استخبارية وقائية وتسريع امتلاك رادارات ودفاع جوي حديث

العراق.. خطط استخبارية وقائية وتسريع امتلاك رادارات ودفاع جوي حديث

2026-07-31 20:14 7503
من الإرهاب إلى الفساد.. تفاصيل الحصيلة الشهرية لعمليات الأمن الوطني

من الإرهاب إلى الفساد.. تفاصيل الحصيلة الشهرية لعمليات الأمن الوطني

2026-07-31 18:59 6316