المطلع
عاجل

post-image

سوريا... انعدام ثقة المواطنين بالحكومة الجديدة يعرقل جهود ضبط السلاح


02:02 تقارير عربية ودولية
2025-05-07
111539

تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار جديد للسيطرة وبسط نفوذها، وهذه المرة في بلدة جرمانا جنوب شرقي العاصمة دمشق، حيث يبرز توتر أمني متصاعد بسبب تمسك السكان المحليين، وغالبيتهم من الطائفة الدرزية، بالاحتفاظ بسلاحهم الفردي، في تحدٍ علني لدعوات السلطة بتجريده، وتعكس هذه الحالة عمق الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية في مرحلة ما بعد الحرب، وتطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على فرض هيبتها دون اللجوء إلى القوة أو التنازل عن مطالبها.

وجاء في تقرير لصحيفة العرب وتابعته "المطلع"، أن:"هذا الرفض لا يعكس مجرد تمسك محلي بالسلاح، بل يعكس أزمة أعمق تتمثل في انعدام ثقة متجذر بالسلطة المركزية التي لم تفلح، حسب رأي السكان، في تقديم ضمانات أمنية حقيقية، ولا تزال عاجزة عن ضبط العصابات المسلحة التي تهدد أمن الأقليات".

وفي أعقاب اشتباكات طائفية دامية بين مقاتلين سُنة ودروز، بدأت الحكومة الجديدة حملة لنزع السلاح في محيط دمشق، إلا أن دروز جرمانا، شأنهم شأن كثيرين في مناطق الأطراف، ينظرون بعين الريبة إلى نوايا الحكومة وقدرتها على حمايتهم بعد سنوات من الانفلات الأمني، وأشهر من التوترات المتصاعدة بين الطوائف.

ويرى الأهالي أن:"السلاح ليس وسيلة تحد، بل ضرورة وجودية في وجه احتمالات تكرار سيناريوهات العنف الطائفي، كما حدث في الساحل السوري مؤخرا".

ويقول مكرم عبيد، أحد وجهاء البلدة المشاركين في المفاوضات مع الحكومة:"قلنا لهم، بمجرد أن تكون هناك دولة قادرة على تنظيم قواتها، فلن تكون لدينا مشكلة في تسليم أسلحتنا".

ويلخص عبيد المأزق بقوله:"لا مشكلة في تسليم السلاح، لكن من الذي سيحمي الناس حين يختفي؟".

ويقول مراقبون إنه:"في ظل غياب أجهزة أمنية فاعلة، وتزايد نشاط الفصائل المسلحة في مناطق عدة من سوريا، يبدو مطلب نزع السلاح كأنه محاولة لتجريد المكونات الضعيفة من أدوات الدفاع الوحيدة التي تمتلكها، من دون تقديم بدائل حقيقية للأمن".

وتلقي الخشية من تكرار جرائم الماضي بظلالها على الحاضر. ويقول أحد سكان جرمانا:"الناس يريدون الشعور بالأمان"، مضيفًا أن:"انهيار النظام لم يجلب الاستقرار المنتظر".

ومن هنا، فإن الحديث عن نزع السلاح يبدو في نظر السكان بمثابة تفريط غير مضمون في الأمان الشخصي والمجتمعي.

ولم تنجح السلطات المركزية الجديدة، التي لا تزال تكافح لترسيخ شرعيتها، بعد في ترميم الثقة مع الأقليات، لاسيما الدروز الذين يشعرون بأنه يُطلب منهم تقديم تنازلات متتالية من دون أي التزام فعلي من الدولة بحمايتهم.

وتساءل الشيخ موفق أبوشاش بمرارة:"نحن نقدم خطوات متتالية ولكن ماذا بعد"، في إشارة إلى ما يعتبره المجتمع الدرزي مسارا أحادي الاتجاه من التنازلات غير المتكافئة.

وتفاقمت الأزمة بسبب دخول إسرائيل على خط التوتر، حيث شنّت غارات على أهداف قرب جرمانا بذريعة حماية الدروز، ما زاد من تعقيد الموقف وأكد هشاشة الوضع الأمني.

ويزيد التدخل الإسرائيلي، وإن كان مرحبًا به ضمنيًا من بعض السكان، التشكيك في قدرة الدولة السورية على السيطرة على المشهد الأمني، ويغذي إحساسًا عميقًا بأن "النجاة الذاتية" تبقى الخيار الأكثر واقعية.

وفي ظل هذا الواقع تبدو مساعي دمشق لنزع سلاح الدروز غير قابلة للتنفيذ ما لم تُرفق بخطوات جادة لإعادة بناء الثقة.

فالسلاح ليس قضية معزولة عن سياق سياسي وأمني هش، بل هو جزء من منظومة حماية ذاتية بُنيت في فراغ الدولة، وما لم تُملأ هذه الفجوة بضمانات فعلية، سيبقى السلاح في يد السكان، لا كمصدر تهديد بل كصمّام أمان.

ويشير محللون إلى أن:"أول ما تحتاجه دمشق ليس تجريد جرمانا من سلاحها، بل استعادة ثقة أبنائها".

ويعد تمسك الأقليات بالسلاح في مرحلة ما بعد الحرب السورية ظاهرة منتشرة في عدة مناطق، ليس فقط بسبب المخاوف الأمنية، بل نتيجة فراغ مؤسسات الدولة وضعف ثقة المجتمعات المحلية بحكومة ما بعد الأسد.

وقد سبق للدروز في السويداء أن شكلوا مجموعات حماية ذاتية خلال السنوات الأخيرة من النزاع، معتمدين على شبكاتهم المحلية بدلا من الجيش أو قوات الأمن الرسمية، التي يُنظر إليها من قبل العديد من السكان على أنها متورطة في تحيّزات طائفية أو غير قادرة على حماية المواطنين.

وكما أن النظام السوري السابق استخدم في الكثير من الأحيان إستراتيجية "التسليح الموجّه"، حيث سلّح مجموعات من مختلف الطوائف لفرض سيطرته على مناطق متوترة، ما جعل السلاح جزءًا من المعادلة الاجتماعية والسياسية، لا مجرد أداة قتالية.

وجعل هذا الإرث محاولات نزع السلاح بعد سقوط النظام تواجه بحذر من المجتمعات التي لا تزال تحمل الذاكرة الحية لانهيار الأمن حين غابت الدولة، أو تواطأت مؤسساتها على العنف.

ويضاف إلى ذلك أن الوضع الجيوسياسي يضاعف من تعقيد مشهد جرمانا. فإسرائيل، التي تعهّدت علنًا بحماية الدروز السوريين، تنخرط بشكل متزايد في توجيه ضربات استباقية ضد من تعتبرهم تهديدًا لمجتمع الدروز، ما يعمّق الشعور المحلي بأن مصدر الحماية ليس دمشق، بل الخارج، ويكرس منطق الاعتماد الذاتي على السلاح.

ولطالما اتسمت العلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة السورية بتوازن دقيق بين الولاء الوطني والسعي للحفاظ على نوع من الاستقلال المحلي، وهي علاقة تعود جذورها إلى ثورة عام 1925 حين لعب الدروز دورا محوريا في مقاومة الانتداب الفرنسي.

ولم يتحول هذا الإرث المقاوم إلى صفحة من الماضي، بل ظل حيًا في الذاكرة الجمعية لأبناء الطائفة، يغذي موقفًا راسخًا من أي محاولة لتجريدهم من وسائل الدفاع الذاتية، ويمنح السلاح بعدًا رمزيًا يتجاوز كونه مجرد أداة أمنية.

وما يعزز هذا الشعور هو واقع ما بعد النزاع السوري، الذي يشبه إلى حد بعيد تجارب بلدان أخرى شهدت حروبًا أهلية طويلة، مثل لبنان والعراق، حيث احتفظت جماعات طائفية أو عشائرية بأسلحتها لسنوات بعد توقف القتال الرسمي، في ظل غياب إصلاحات أمنية حقيقية أو مؤسسات دولة قوية.

ومن هذا المنظور تبدو جرمانا اليوم جزءًا من مشهد أوسع، تسير فيه المجتمعات المحلية على خطى مجتمعات مماثلة وجدت في السلاح ملاذا اضطراريا، وليس خيارا عدائيا.

ويزداد المشهد تعقيدًا في جرمانا بفعل أبعاده الإقليمية والدولية، فالجنوب السوري لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع على السلطة، بل تحوّل إلى منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى، أبرزها إسرائيل وإيران وروسيا.

ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي خلفه انهيار الأمن على المجتمعات المحلية، خاصة تلك التي تنتمي إلى أقليات دينية أو إثنية.

ففي مثل هذا السياق لا يُنظر إلى السلاح كخطر، بل كجزء من معادلة البقاء، وعنصر أساسي من عناصر الشعور بالأمان والانتماء.

وتحول السلاح إلى رمز للكرامة الشخصية والقدرة على حماية الذات، بعد أن فقدت الدولة مصداقيتها كمصدر موثوق للأمن.

ولذلك لا يمكن أن يتم تفكيك هذا الارتباط بقرارات فوقية أو عبر حملات نزع سلاح تفتقر إلى الضمانات، بل يتطلب مسارًا طويلا من إعادة بناء الثقة، ومصالحة حقيقية تنبع من إدراك الدولة لحقيقة أن ما فقد ليس فقط السيطرة، بل الشرعية.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

2026-10-02 14:11 517
سباق النقاط يشتعل اليوم في الدوري العراقي الممتاز ودوري الصالات

سباق النقاط يشتعل اليوم في الدوري العراقي الممتاز ودوري الصالات

2026-10-02 13:00 1233
تراجع النفط بعد ارتفاع خاطف عقب وقف الصادرات الصينية

تراجع النفط بعد ارتفاع خاطف عقب وقف الصادرات الصينية

2026-10-02 08:58 1870
توصيات حاسمة من القائد العام بالتزامن مع طي صفحة التحالف الدولي

توصيات حاسمة من القائد العام بالتزامن مع طي صفحة التحالف الدولي

2026-10-02 11:56 2255
طقس العراق.. أمطار وانخفاض بدرجات الحرارة في الأيام المقبلة

طقس العراق.. أمطار وانخفاض بدرجات الحرارة في الأيام المقبلة

2026-10-02 11:52 2039
بين المستويين الأحمر والبرتقالي.. كندا تحدّث تحذيرات السفر لعدة دول

بين المستويين الأحمر والبرتقالي.. كندا تحدّث تحذيرات السفر لعدة دول

2026-10-01 23:57 4083
العراق يتفاوض على تسليم سلاح الفصائل ويستعد لفتح منافذ نفطية جديدة

العراق يتفاوض على تسليم سلاح الفصائل ويستعد لفتح منافذ نفطية جديدة

2026-10-01 21:33 8989
فصيل عراقي يعلن التزامه بوقف العمليات العسكرية واستكمال السيادة الوطنية

فصيل عراقي يعلن التزامه بوقف العمليات العسكرية واستكمال السيادة الوطنية

2026-10-01 20:28 4585
كتائب سيد الشهداء: نبارك إنهاء الوجود الأجنبي ونؤكد الالتزام بالاتفاق المبرم

كتائب سيد الشهداء: نبارك إنهاء الوجود الأجنبي ونؤكد الالتزام بالاتفاق المبرم

2026-10-01 19:30 4218
واشنطن تُعلن طي صفحة التواجد العسكري وتُجدد دعمها للعراق برئاسة الزيدي

واشنطن تُعلن طي صفحة التواجد العسكري وتُجدد دعمها للعراق برئاسة الزيدي

2026-10-01 19:26 4453
الحكومة تعلن وصول شحنة جديدة من الدولار النقدي إلى العراق

الحكومة تعلن وصول شحنة جديدة من الدولار النقدي إلى العراق

2026-10-01 18:11 5667
ارتفاع أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

ارتفاع أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع إغلاق البورصات

2026-10-01 17:00 5240
الكشف عن تفاصيل محادثات سرية بين دمشق وحزب الله بوساطة تركية

الكشف عن تفاصيل محادثات سرية بين دمشق وحزب الله بوساطة تركية

2026-10-01 15:12 4606
النزاهة تسترد موظفة هاربة من لبنان اختلست أربعة مليارات دينار

النزاهة تسترد موظفة هاربة من لبنان اختلست أربعة مليارات دينار

2026-10-01 13:58 10516
الرافدين يباشر بتوزيع رواتب المتقاعدين لشهر تشرين الأول

الرافدين يباشر بتوزيع رواتب المتقاعدين لشهر تشرين الأول

2026-10-01 13:07 4874
الإعلام الأمني: تسجيل ستة ملايين قطعة سلاح واستعداد الفصائل لتنظيمها

الإعلام الأمني: تسجيل ستة ملايين قطعة سلاح واستعداد الفصائل لتنظيمها

2026-10-01 12:25 5054
استكمال إجراءات صرف رواتب المتقاعدين لشهر تشرين الأول

استكمال إجراءات صرف رواتب المتقاعدين لشهر تشرين الأول

2026-10-01 11:16 8200
قائمة صباحية بأسعار صرف الدولار في العراق

قائمة صباحية بأسعار صرف الدولار في العراق

2026-10-01 11:14 5199