المطلع
عاجل

post-image

من رفض المصافحة إلى فرض الشروط… كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض في سويسرا


23:16 تقارير عربية ودولية
2026-06-22
1899

لم تبدأ معركة سويسرا من داخل الأوراق ولا من بين بنود الاتفاقات، بل بدأت قبل ذلك بلحظة واحدة صامتة داخل القاعة… لحظة رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مصافحة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس.  

حركة بروتوكولية صغيرة في ظاهرها، لكنها حملت رسالة سياسية كبيرة: طهران لم تدخل المفاوضات بوصفها طرفاً يبحث عن مخرج، بل بوصفها طرفاً يرى أنه خرج من مواجهة مفتوحة وهو يحمل أوراق قوة يريد تحويلها إلى مكاسب سياسية واقتصادية.

في تلك القاعة لم تكن المفاوضات مجرد لقاء بين وفدين، بل كانت جولة جديدة من صراع طويل انتقل من الميدان إلى السياسة. 

الولايات المتحدة جاءت وهي تريد تثبيت تفاهمات تضمن فتح الطريق أمام تهدئة أوسع، فيما دخلت إيران وهي تتمسك بأن أي اتفاق يجب أن يُبنى على قاعدة جديدة: لا تنازلات مجانية، ولا عودة إلى نقطة الصفر.

ولهذا تحولت الجولة الأولى في سويسرا إلى اختبار إرادات أكثر من كونها جلسة تفاوض عادية. 

فخلف البيانات الدبلوماسية التي تحدثت عن التقدم وخارطة الطريق، كانت تدور معركة أساسية حول سؤال واحد: من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاول إبقاء منطق الضغط حاضراً عندما أكد أن الولايات المتحدة تملك عدة خيارات إذا لم تقدم إيران التزامات جدية، ووصل الأمر إلى إطلاق تحذيرات مرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزاً لروح التفاهمات التي تم التوصل إليها.

بالنسبة لإيران، لم تكن القضية مجرد تصريح إعلامي، بل اختباراً لطبيعة مذكرة التفاهم ذاتها، فإذا كانت المفاوضات قائمة على الالتزام المتبادل، فإن العودة إلى لغة التهديد تعني بالنسبة لها محاولة لإعادة صياغة المشهد من جديد.

ولهذا غادر الوفد الإيراني قاعة الاجتماعات بشكل مؤقت بعد نحو 80 دقيقة من المباحثات، قبل أن تبدأ مشاورات مكثفة مع الوسطاء القطريين والباكستانيين لإعادة المسار إلى الطاولة.

لكن ما حدث كشف جوهر الخلاف: واشنطن أرادت التعامل مع مذكرة التفاهم كمرحلة يمكن تعديلها وإعادة التفاوض حولها، بينما أصرت طهران على اعتبارها أساساً ملزماً وسقفاً لأي اتفاق نهائي.

ومن هنا بدأت المعركة الحقيقية، فإيران لم تنظر إلى المفاوضات باعتبارها نقاشاً حول ملف نووي فقط، بل باعتبارها عملية إعادة ترتيب لموازين القوة بعد الحرب. 

فالملفات التي طرحت على الطاولة لم تكن منفصلة عن بعضها: مضيق هرمز، العقوبات، النفط، الأموال المجمدة، التخصيب، وملف لبنان، كلها أصبحت أجزاء من صفقة واحدة، وكان مضيق هرمز هو العنوان الأبرز لهذه المعادلة.

فهذا الممر المائي لم يعد في الحسابات الإيرانية مجرد طريق للسفن، بل تحول إلى ورقة استراتيجية أثبتت خلال الأزمة قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. 

ولهذا ركزت طهران على صياغات دقيقة داخل مذكرة التفاهم، بحيث لا يكون فتح الملاحة عودة كاملة إلى الوضع السابق، بل خطوة مرتبطة بترتيبات جديدة.

النص تحدث عن ضمان العبور الآمن للسفن التجارية، لكنه أبقى مسألة الإدارة المستقبلية للمضيق مرتبطة بمشاورات بين إيران وسلطنة عمان باعتبارهما دولتين ساحليتين، وهو ما رأت فيه طهران تثبيتاً لمبدأ السيادة والحقوق الساحلية.

وهنا ظهرت إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية: تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي.

فالدول الكبرى قد تملك الأساطيل والقواعد، لكن إيران تملك موقعاً يجعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس على العالم بأسره. 

وهذا ما جعل ملف هرمز يتجاوز كونه بنداً تفاوضياً إلى ورقة ضغط دولية.
فالولايات المتحدة كانت تدرك أن استمرار الأزمة يعني كلفة اقتصادية وعسكرية كبيرة، خصوصاً مع تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، ولذلك أصبح فتح المضيق أولوية لا يمكن تجاهلها.

أما طهران فدخلت المفاوضات وهي تقول عملياً إن فتح المضيق ليس تنازلاً مجانياً، بل جزء من معادلة أوسع تقوم على الاعتراف بدورها الإقليمي.

وفي الجانب الاقتصادي، حاولت إيران تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج عملية. 

فرفع واشنطن اليوم للقيود عن تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، لم تُقرأ في طهران كمنح أميركية، بل كجزء من مبدأ "الالتزام مقابل الالتزام".

وهذا ما شدد عليه المسؤولون الإيرانيون خلال الحديث عن المرحلة المقبلة، مؤكدين أن أي خطوة إيرانية يجب أن يقابلها تنفيذ واضح من الطرف الآخر.

في المقابل، حاولت واشنطن الحفاظ على أدوات الضغط، إذ ربطت بعض الخطوات الاقتصادية بمستوى التقدم في المفاوضات وبالتحقق من التنفيذ.

وهكذا بقي الصراع قائماً: إيران تريد ضمانات تمنع استخدام الاتفاق لاحقاً كسلاح ضدها، والولايات المتحدة تريد آليات مراقبة تمنع انهيار التفاهمات.
أما الملف النووي فكان الساحة الأكثر حساسية.

فخفض مستوى التخصيب من 60% إلى 20% لا يعني، وفق الرؤية الإيرانية، التخلي عن القدرة النووية، بل إعادة تنظيمها ضمن صيغة جديدة. 

وهذا تحديداً ما أثار قلق إسرائيل، التي ترى أن استمرار التخصيب داخل إيران، حتى بمستويات أقل، يبقي جوهر المشكلة قائماً.

ولهذا كانت تل أبيب تراقب المفاوضات بقلق، خشية أن تنتقل واشنطن من سياسة الضغط القصوى إلى سياسة التسويات، خصوصاً إذا تحولت التفاهمات إلى مسار طويل يعيد ترتيب العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.

لكن العقدة الإسرائيلية لم تكن فقط في الملف النووي، بل أيضاً في ملف لبنان.

فطهران ربطت استمرار المسار التفاوضي بآليات خفض التصعيد، بينما بقي السؤال حول قدرة واشنطن على ضمان التزامات حلفائها، وخاصة إسرائيل.

وهنا ظهر ضعف المعادلة الأميركية: فهي تفاوض باسم التهدئة، لكنها ليست الطرف الوحيد القادر على التحكم بكل تفاصيل الميدان.

وبينما كانت التصريحات الرسمية تتحدث عن تقدم، بقيت خلف الطاولة رسالة إيرانية واضحة: التفاوض ليس الخيار الوحيد.

فطهران دخلت سويسرا وهي تحمل مسارين متوازيين، مسار الاتفاق إذا ضمنت مصالحها، ومسار العودة إلى التصعيد إذا شعرت بأن الطرف الآخر يحاول تحويل التفاهم إلى أداة لإعادة فرض الشروط.

وهذا ما جعل كل بند في المفاوضات يحمل معنى مزدوجاً، ففتح هرمز يعني تهدئة الأسواق، لكنه يثبت في الوقت نفسه أهمية الدور الإيراني في المنطقة.

خفض التخصيب يعني تقليل التوتر، لكنه لا يعني إنهاء القدرة الإيرانية.

رفع العقوبات يعني انفراجاً اقتصادياً، لكنه لا يعني انتهاء الصراع على النفوذ.

في النهاية، كشفت سويسرا أن المعركة لم تكن فقط حول توقيع اتفاق، بل حول من يملك حق كتابة اليوم التالي للحرب.

الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يمنع انفجاراً جديداً ويحافظ على مصالحها ومصالح حلفائها، بينما تريد إيران اتفاقاً يثبت أن سنوات الضغط لم تنتج تراجعاً، بل نقلت المواجهة إلى طاولة تفاوض مختلفة.

ولهذا بقيت الصورة الأخيرة من المفاوضات تحمل المعنى الأكبر: رفض المصافحة في البداية لم يكن مجرد موقف بروتوكولي، بل إعلاناً بأن طهران تريد أن تدخل المرحلة المقبلة من موقع الطرف الذي يفاوض على الشروط، لا الطرف الذي يتلقى الشروط.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت سويسرا بداية تسوية تاريخية، أم مجرد هدنة سياسية قبل جولة جديدة من الصراع؟؟؟.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

انطلاق مباراة منتخبنا الوطني أمام فرنسا في بطولة كأس العالم

انطلاق مباراة منتخبنا الوطني أمام فرنسا في بطولة كأس العالم

2026-06-23 00:03 635
اكتشاف مكمل غذائي واعد يحسن صحة الكبد الدهني عبر تعزيز البكتيريا النافعة

اكتشاف مكمل غذائي واعد يحسن صحة الكبد الدهني عبر تعزيز البكتيريا النافعة

2026-06-22 23:58 740
السفير الإيراني: قرار حصر السلاح شأن عراقي خالص ونحترم قرارات الحكومة

السفير الإيراني: قرار حصر السلاح شأن عراقي خالص ونحترم قرارات الحكومة

2026-06-22 23:55 1263
العراق يعرب عن تضامنه مع قطر بعد انفجار منطقة "رأس لفان" الصناعية

العراق يعرب عن تضامنه مع قطر بعد انفجار منطقة "رأس لفان" الصناعية

2026-06-22 21:03 1205
تقرير إسرائيلي عن وقف النار مع لبنان: أيدينا مكبلة وجنودنا بط في حقل رماية

تقرير إسرائيلي عن وقف النار مع لبنان: أيدينا مكبلة وجنودنا بط في حقل رماية

2026-06-22 22:02 953
من رفض المصافحة إلى فرض الشروط… كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض في سويسرا

من رفض المصافحة إلى فرض الشروط… كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض في سويسرا

2026-06-22 23:16 1899
الأرجنتين تتأهل رسمياً لدور 32 من كأس العالم بعد هزيمة النمسا

الأرجنتين تتأهل رسمياً لدور 32 من كأس العالم بعد هزيمة النمسا

2026-06-22 22:21 1565
الذكاء الاصطناعي يكشف الفائز بمباراة العراق وفرنسا اليوم في كأس العالم

الذكاء الاصطناعي يكشف الفائز بمباراة العراق وفرنسا اليوم في كأس العالم

2026-06-22 20:14 2699
ارتفاع بأعداد السائحين القادمين إلى العراق

ارتفاع بأعداد السائحين القادمين إلى العراق

2026-06-22 19:52 4260
توجيهات بتوفير إنترنت مجاني على طريق الحلة - كربلاء خلال الزيارة الأربعينية

توجيهات بتوفير إنترنت مجاني على طريق الحلة - كربلاء خلال الزيارة الأربعينية

2026-06-22 18:01 3968
ميسي على أعتاب رقم تاريخي جديد في كأس العالم أمام النمسا

ميسي على أعتاب رقم تاريخي جديد في كأس العالم أمام النمسا

2026-06-22 19:18 3016
قطر للطاقة تعلن حصيلة ضحايا انفجار "رأس لفان"

قطر للطاقة تعلن حصيلة ضحايا انفجار "رأس لفان"

2026-06-22 16:59 3467
قطر للطاقة تعلن حصيلة ضحايا انفجار "رأس لفان"

قطر للطاقة تعلن حصيلة ضحايا انفجار "رأس لفان"

2026-06-22 16:59 3291
اتحاد الكرة: أرنولد يقود تحضيرات العراق باحترافية عالية قبل موقعة فرنسا

اتحاد الكرة: أرنولد يقود تحضيرات العراق باحترافية عالية قبل موقعة فرنسا

2026-06-22 14:33 3516
مباريات حاسمة في كأس العالم اليوم... والعراق في مواجهة مصيرية

مباريات حاسمة في كأس العالم اليوم... والعراق في مواجهة مصيرية

2026-06-22 13:39 3962
رئيس الوزراء البريطاني يعلن استقالته ويبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره

رئيس الوزراء البريطاني يعلن استقالته ويبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره

2026-06-22 13:03 4428
باكستان تعلن نجاح الاجتماع الأول لتوقيع مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران

باكستان تعلن نجاح الاجتماع الأول لتوقيع مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران

2026-06-22 12:31 3792
بقائي: اتفقنا في سويسرا على خطوات مهمة وآلية جديدة لإنهاء حرب لبنان

بقائي: اتفقنا في سويسرا على خطوات مهمة وآلية جديدة لإنهاء حرب لبنان

2026-06-22 11:58 3481