المطلع
عاجل

post-image

من الشرق الأوسط إلى آسيا وأوروبا: واشنطن تضع مصالحها فوق تحالفاتها


00:32 تقارير عربية ودولية
2025-09-15
45752

بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رافعاُ شعار وضع مصالح الولايات المتحدة فوق أي اعتبار، لمس حلفاء لواشنطن واقعاً جديداً تمثّل في أن للصداقة مع واشنطن حدودها، وهو ما انعكس في الضربات الإسرائيلية على قطر وخرق مسيّرات روسية أجواء بولندا، أو فرض تعريفات جمركية على شركاء مثل الهند.

والثلاثاء الماضي تعرضت قطر، وهي حليف رئيسي لواشنطن وتستضيف أكبر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، لغارات جوية نفّذتها إسرائيل، أوثق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

واستهدفت الغارة الإسرائيلية قادة حماس في الدوحة التي استضافت جولات تفاوض غير مباشرة بين الطرفين سعيا للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب في غزة. وأكدت الحركة الفلسطينية نجاة رئيس وفدها المفاوض خليل الحية من القصف.

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه اتخذ قرار شنّ الهجوم بشكل “مستقل”.

وعلى الرغم من أن الضربة لقيت انتقادا علنيا نادرا من ترامب لإسرائيل، شدّد وزير خارجيته ماركو روبيو على أنها لن تغيّر شيئا من العلاقة الوثيقة بين اسرائيل والولايات المتحدة التي تدعمها سياسيا وعسكريا. لكن طبيعة العلاقة مع حلفاء آخرين للولايات المتحدة لم تعد بالضرورة توفر الضمانة نفسها منذ عودة ترامب إلى الرئاسة في يناير.

وليل الثلاثاء – الأربعاء قالت بولندا إن نحو 20 مسيّرة روسية اخترقت مجالها الجوي. وفي حين أثار ذلك ردود فعل قوية في وارسو ومن قبل الحلفاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تقوده الولايات المتحدة عمليا، كان ردّ الفعل الأميركي أقل حدة، اذ قال ترامب إنّ موسكو ربما ارتكبت “خطأ” غير متعمد. لكنّه حذّر من أنّ صبره حيال نظيره الروسي فلاديمير بوتين “ينفد سريعا.”

ولم تحقق جهود ترامب للتوصل إلى سلام في أوكرانيا أي تقدّم في ظل امتناع موسكو عن تقديم تنازلات، على الرغم من تواصله المباشر مرارا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على عكس التوجه الغربي الذي يسعى إلى عزل الأخير دوليا.

وبعيدا عن النزاعات العسكرية فرض ترامب رسوما تجارية باهظة على دول تعدّ شريكة للولايات المتحدة، مثل الهند. وقد ربط ذلك بمعاقبة نيودلهي على مواصلتها شراء النفط من روسيا.

ولم يعفِ التحالف مع كوريا الجنوبية من تداعيات إجراءات إدارة ترامب، إذ تمّ توقيف المئات من مواطنيها في عملية دهم لعناصر إدارة الهجرة، قبل إعادتهم الى بلادهم هذا الأسبوع.

ويرى داميان مورفي، المساعد السابق في الكونغرس الذي أصبح مسؤولا في “مركز التقدم الأميركي” للأبحاث المتخصّص في السياسة الدولية والأمن القومي، أنّ “السياق الأعمّ (في هذه الأحداث) هو الضعف والفوضى والغرور.”

وأوضح مورفي أنّ “نتنياهو وبوتين اللذين يلمسان ضعفا (لدى الإدارة الأميركية)، يحاولان استغلال الوضع وينجحان في تفادي تبعات (ما يقومان به)، وهو ما لا يجب أن يحصل عادة.”

وبالنسبة إلى ترامب لم تعد التحالفات التزاما إستراتيجيا طويل الأمد، بل علاقات مشروطة وقابلة للتعديل أو التراجع عنها
يؤكد ترامب ومستشاروه أن المصالح الأساسية للولايات المتحدة تتصدر أولوياتهم، ويقلّصون التزامات مكلفة وغير ضرورية امتدت عقودا، في تناقض مع وعود الإدارة السابقة للديمقراطي جو بايدن بالتركيز على التحالفات.

ويرى مورفي أنّ الواقع الجيوسياسي يناقض تصريحات ترامب بأنّ بوتين ما كان ليبدأ غزو أوكرانيا في عام 2022 لو كان هو، وليس بايدن، رئيسا للولايات المتحدة في ذلك الوقت.

ويضيف “نشهد تزايدا في عدد الدول التي تُدرك أنّ هناك ضعفا لدى إدارة ترامب وتحاول اختبارها.”

وفي ما يتعلق بكوريا الجنوبية والهند، يقول مساعدو ترامب إنه يفرض على شركاء بلاده المعايير ذاتها، أو حتى أكثر مما هو متوقع من الجميع.

ورأى ترامب أن الضربة الإسرائيلية على قطر لم تكن في صالح واشنطن واسرائيل، في موقف مناقض بشكل صريح لما قام به في يونيو عندما هاجمت إسرائيل إيران، اذ تدخلت واشنطن آنذاك ووجّهت ضربات لثلاث منشآت نووية في الجمهورية الإٍسلامية.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو بول بوست أنّه بالنسبة إلى إسرائيل وروسيا “هناك انطباع أنّ ترامب سيسمح لبعض الأفعال أن تمرّ دون عقاب.”

وقال إنّ نتنياهو يثق بأنّ دعم ترامب له قوي للغاية، بينما يعتقد بوتين أنّه قادر على “تجاوز الحدود” بينما لا يزال الرئيس الأميركي يأمل في التوصل إلى تسوية في أوكرانيا.

وفي عالم يشهد أكبر عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية، يرى بوست “مؤشرات على اتجاه أوسع نطاقا بكثير، يتمثّل في أنّ دولاً وجهات باتت أكثر جرأة على اتخاذ إجراءات عسكرية والانخراط في نزاعات، لأنّ الالتزام الأميركي لم يعد في المستوى الذي يسمح لواشنطن بأن تكون شرطي العالم.”

ومنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات من الواضح أن شعار “أميركا أولاً” لم يعد مجرد إطار خطابي، بل تحوّل إلى عقيدة إستراتيجية تُعيد رسم ملامح السياسة الخارجية الأميركية، وتفكك تدريجيًا البنية التقليدية للنظام الدولي الذي لطالما قادته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع أن هذا الشعار كان حاضرا أيضا خلال ولاية ترامب الأولى، فإن تطبيقه الآن يبدو أكثر صرامة واندفاعا، مدفوعا برغبة في إعادة تشكيل دور أميركا العالمي وفق منطق المعاملة بالمثل والربح المباشر، حتى وإن جاء ذلك على حساب الحلفاء التقليديين.

وتكشف السياسات التي تبنّاها ترامب في ولايته الثانية أن التحالفات لم تعد، بالنسبة إلى إدارته، التزاما إستراتيجيا طويل الأمد، بل علاقات مشروطة قابلة للتعديل أو التراجع عنها ما لم تخدم المصالح الأميركية المباشرة.

ولم تعد الحماية الأميركية مضمونة، ولا الردع التقليدي قائمًا على أسس راسخة. فحين تُقصف دولة حليفة مثل قطر من قبل إسرائيل، دون تنسيق مسبق مع واشنطن، وتكون ردة الفعل الأميركية متحفظة رغم حساسية الحدث، فهذا يُرسل إشارات مقلقة حول مدى التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها.

وحين تخترق المسيّرات الروسية أجواء دولة عضو في الناتو مثل بولندا، ولا يتعدى رد واشنطن وصف ما جرى بأنه “خطأ محتمل”، فإن ذلك يضعف مفهوم الردع الجماعي ويهز ثقة دول الحلف بالقيادة الأميركية.

ولا يقتصر الأمر على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد والهجرة، حيث باتت الولايات المتحدة تتعامل مع شركائها بمعايير أكثر صرامة مما تُطبقه على خصومها في بعض الأحيان.

فرْض رسوم جمركية على الهند، وترحيل المئات من الكوريين الجنوبيين رغم العلاقات الوثيقة مع سيول، يعكسان أن “الثمن السياسي” للتحالف بات أعلى مما كان عليه، وأن الاستفادة من الشراكة مع واشنطن لم تعد مضمونة دون تقديم تنازلات كبيرة.

وكل ذلك يشير إلى أن الولايات المتحدة، في عهد ترامب، لم تعد تسعى إلى الحفاظ على النظام العالمي القائم على التحالفات والتوازنات، بل تعيد تشكيله وفق اعتبارات داخلية، تغلّب الحسابات قصيرة الأجل على الإستراتيجيات طويلة المدى.

ويدفع هذا التحول العديد من الدول، سواء أكانت من الحلفاء أم من الخصوم، إلى إعادة تقييم علاقتها مع واشنطن، وربما البحث عن بدائل، أو تبني سياسات أكثر استقلالية تحسبًا لتخلي الولايات المتحدة عن أدوارها التقليدية.

وفي ظل هذا الانكفاء الأميركي تبدو الساحة الدولية أكثر اضطرابا، إذ تزداد جرأة الفاعلين الدوليين على اتخاذ قرارات منفردة، كما يتضح في سلوك إسرائيل وروسيا، في ظل شعورهم بضعف الإرادة الأميركية في الرد أو فرض كلفة حقيقية على تصرفاتهم.

وهو ما يُنذر بالمزيد من الفوضى في النظام العالمي، خاصة أن التوازن الذي حافظ على استقراره لعقود كان مبنيًا إلى حدّ كبير على الثقة بثبات الدور الأميركي، لا على التفوق العسكري وحده.

وتحمل سياسة “أميركا أولاً”، التي يعيد ترامب تفعيلها الآن، أثمانا عالمية تتجاوز حدود واشنطن، وتضع النظام الدولي أمام مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر، حيث القوة لم تعد مرتبطة بالتحالفات، والردع لم يعد مضمونا، والمصالح المشتركة لم تعد كافية لحماية الشراكات من الانهيار.

السؤال المطروح اليوم لم يعد فقط عن دور الولايات المتحدة، بل عمّا إذا كان العالم قادرًا على الحفاظ على استقراره من دونها، أو في ظل نسخة جديدة منها، أكثر براغماتية، وأقل التزاما.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

واشنطن تهنئ العراق بيومه الوطني وتؤكد عمق الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية بينهما

2026-10-03 20:02 1317
أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

أردوغان: العراق وسوريا يتجهان نحو الاستقرار والسلام سيحل محل الإرهاب بالمنطقة

2026-10-03 18:55 2105
صدور 17 أمر قبض واستقدام بحق ذوي الدرجات الخاصة خلال أيلول الماضي

صدور 17 أمر قبض واستقدام بحق ذوي الدرجات الخاصة خلال أيلول الماضي

2026-10-03 18:39 3067
أمريكا تعلن مرور أكثر من مليار برميل من النفط عبر مضيق هرمز

أمريكا تعلن مرور أكثر من مليار برميل من النفط عبر مضيق هرمز

2026-10-03 17:58 2203
أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

2026-10-03 17:03 2534
​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

2026-10-03 16:02 4763
خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

2026-10-03 15:20 3077
القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

2026-10-03 15:14 3158
اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

2026-10-03 14:45 2723
تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

2026-10-03 12:41 3304
مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

2026-10-03 12:00 6941
الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

2026-10-03 11:32 3697
التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

2026-10-03 10:29 7474
الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

2026-10-03 10:28 6463
الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

2026-10-03 00:01 11139
ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

2026-10-02 23:16 5742
العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

2026-10-02 21:44 11411
استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

2026-10-02 21:01 10769