المطلع
عاجل

post-image

جفاف تاريخي يضرب بحيرة آمرلي ويكشف عمق أزمة المياه بالعراق


23:38 تقارير عربية ودولية
2025-10-12
44082

تواجه بحيرة "آمرلي" في محافظة صلاح الدين وسط العراق جفافاً قاسياً حوّلها من رافدٍ حيوي ومتنفسٍ طبيعي إلى أرضٍ قاحلة، في مشهد يجسّد عمق أزمة المياه والتغير المناخي التي تضرب البلاد وتترك آثاراً مدمّرة على البيئة والاقتصاد والحياة الريفية.

وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته "المطلع"، أنه:"تُعدّ البحيرة أحد أبرز المواقع السياحية الطبيعية في المنطقة، نظراً إلى ما تتمتع به من مساحات خضراء ونسيم عليل يخفّف وطأة الحرارة الملتهبة خلال صيف العراق، ما جعلها مقصداً لسكان المدن والقرى القريبة خلال أيام العُطل والمناسبات، حيث كانت بمنزلة مكان ترفيهي مجاني للأفراد والعائلات. لكن مشهد البحيرة تبدّل كليّاً هذا العام؛ المياه اختفت، والأسماك نفقت، والحقول ذبُلت، فيما بقيت الذكريات وحدها تسبح في وجدان الأهالي".

ونبّه قائممقام قضاء آمرلي، ميثم نوري، إلى أنّ البحيرة التي تُعدّ الخزين المائي الوحيد للمنطقة جفّت بالكامل، للمرة الأولى في تاريخها، في حادثةٍ وصفها بأنّها "الأسوأ منذ أكثر من قرن"، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية، مؤكداً أنّ الجفاف الطويل وقلّة الأمطار سبَّبا انحسار المياه تماماً.

ويروي العديد من المواطنين علاقتهم الخاصة ببحيرة آمرلي، وما يختلجهم من مشاعر تجاه هذا المَعلم السياحي. ففي مدينة تكريت، تتحدث ندى العواد (45 عاماً)، الموظفة في وزارة التربية العراقية والأم لثلاثة أطفال، عن البحيرة، وتصفها بأنّها "المكان الأحبّ" لعائلتها.

وتقول لـ"العربي الجديد":"كنا نذهب إلى البحيرة كل عطلة صيفية. كان أطفالي يركضون بجانب المياه ويحاولون اصطياد السمك بصناراتهم البدائية التي يصنعونها بأيديهم. كانت ضحكاتهم تملأ المكان". وتضيف:"لدينا كم كبير من الصور ومقاطع الفيديو قرب البحيرة، حيث الطبيعة والمرح، وكلّنا أمل في أن تعود الحياة لهذا المكان الجميل".

وبحسب تقارير رسمية، تعود أسباب الجفاف إلى تراجع معدلات الأمطار في شمال العراق خلال العامين الماضيين، وانخفاض منسوب الخزين المائي في سد العظيم الذي كان يغذّي بحيرة آمرلي. وتشير التقارير إلى أنّ موجات الحرارة الشديدة، وضعف الإمدادات المائية من السدود، وعدم وجود خطط حكومية عاجلة لإنعاش الخزانات الطبيعية، جعلت من جفاف البحيرة أمراً حتميّاً.

ويتحدث يوسف عبد الرحيم (28 عاماً)، من قضاء الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، عن الأيام التي كانت تجمعه رفقة أصدقائه قرب البحيرة.

ويقول لـ"العربي الجديد":"كنا نأتي في عطلة يوم الجمعة، نغنّي ونشوي السمك ونستمتع حتى ساعات المساء. كانت البحيرة ملاذاً ننسى معه تعب الأسبوع، فتعود إلينا مشاعر الفرح والحياة. كانت "آمرلي" تشبهنا ببساطتها، لكنّها كانت تبعث الحياة".

ويرى يوسف أنّ جفاف البحيرة:"لم يسرق فقط المياه، إنّما سرق من العراقيين طقوسهم وعلاقاتهم"، قائلاً، نحن أبناء مدنٍ صغيرة، وهذه الأماكن كانت متنفّسنا الوحيد.

ويلفت فاضل عباس (60 عاماً) وهو مزارع في قرية قريبة من البحيرة، إلى أنّه كان يعتمد على مياه "آمرلي" في زراعة القمح وتربية الماشية، موضحاً لـ"العربي الجديد":"كنا نعيش على رزقها، حتى ماشيتنا كانت تجد المراعي الغنية بالحشائش حول البحيرة. لكن اليوم، لا زرع ولا عشب. وفي حال استمرّ الجفاف، سيقتل كل شيء".

وكانت البحيرة سبباً لتعزيز العلاقات بين زوّارها والسكان القريبين منها، وفقاً لما تقوله المواطنة ناهدة عزيز (47 عاماً)، وهي المقيمة في محافظة ديالى المجاورة لمحافظة صلاح الدين.

وتُخبر "العربي الجديد" أنّها كوّنت طيلة فترة ارتيادها البحيرة علاقات عديدة مع سيدات من قرى مجاورة. وتضيف:"تعرّفتُ على نساء كثيرات هناك. كنّا نطبخ معاً ونتبادل الطعام والقصص. نضحك ونشرب الشاي على ضفاف المياه. بعضهنّ ما زلن يتصلن بي حتى تاريخه، ويؤكّدن أن المياه ستعود حتماً إلى البحيرة. وفي حين نقصد البحيرة للاستمتاع، غير أنّ حياة السكان هناك ترتبط حكماً بمياه البحيرة".

ويعتبر الباحث الاجتماعي، مهند الطائي، أنّ الجفاف في بحيرة آمرلي لا يغيّر ملامح الطبيعة فحسب، بل يصيب الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة وزوّارها.

ويقول لـ"العربي الجديد":"الأماكن الطبيعية ليست مجرد فضاءات جغرافية، بل هي محطات نفسية ترتبط بها العائلات بعواطفها وتاريخها. وحين تختفي، يشعر الناس وكأنّهم فقدوا جزءاً من ذواتهم".

ويحذّر الطائي من أنّ:"جفاف البحيرات والأنهار في العراق لم يعد مجرّد ظاهرة بيئية، بل قضية اجتماعية تمسّ الاستقرار الريفي، وتدفع البعض إلى الهجرة نحو المدن. الأمر الذي يسبّب تبعاتٍ نفسية واجتماعية تؤثر على استقرار المجتمع، وقد تولّد مشاكل خطيرة جراء الاقتلاع القسري لفئة معينة من المواطنين من بيئتهم وحاضنتهم الطبيعية".

ويشير إلى أنّ، جفاف بحيرة "آمرلي" يؤدّي إلى تقليص عدد المواقع الطبيعية الجميلة التي تعزّز المشاعر الإيجابية لدى المواطنين، ويقول:"باختفائها نفقد ما تبعثه هذه الأماكن من طاقة إيجابية نحن بأمسّ الحاجة إليها في العراق".

وتشكّل المياه الواردة إلى العراق من تركيا وإيران، النسبة الأكبر من الخزين المائي المحلي. لكن تراجع الإمدادات المائية بنسبة كبيرة من البلدين المجاورين، إلى جانب انحسار معدلات هطل الأمطار خلال الشتاء، والارتفاع الحاد في درجات الحرارة صيفاً، كلها عوامل فاقمت موجة التصحّر والجفاف في العراق. الأمر الذي أدّى إلى اختفاء أو تقلّص العديد من البحيرات والمسطّحات المائية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي تصريحاتٍ صحافية، أكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية، خالد شمال، أنّ الوضع المائي هذا العام في العراق أسوأ مقارنةً بالعام 2024، مشيراً إلى أنّ العراق لا يحصل سوى على أقلّ من 40% من استحقاقه المائي.

وكشف أن:"الخزين الاستراتيجي للمياه تراجع إلى نحو 10 مليارات متر مكعب، في حين أنّ الحاجة الفعلية تقتضي توفير 18 ملياراً، لافتاً إلى أن هذا الانخفاض لم يُسجّل منذ 80 عاماً".

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

بالوثيقة.. أمر قبض بحق المتهم الهارب أوميد حاجي بتهمة تمويل الإرهاب

بالوثيقة.. أمر قبض بحق المتهم الهارب أوميد حاجي بتهمة تمويل الإرهاب

2026-09-13 16:54 1427
ترامب: حرب إيران قد تنتهي مباشرة بعد الانتخابات وربما قبلها

ترامب: حرب إيران قد تنتهي مباشرة بعد الانتخابات وربما قبلها

2026-09-13 16:18 1837
اليوم.. 4 مواجهات مرتقبة في الجولة السابعة من دوري النجوم

اليوم.. 4 مواجهات مرتقبة في الجولة السابعة من دوري النجوم

2026-09-13 14:58 2762
إطلاق 500 مليار دينار من مستحقات المزارعين لشهر أيلول الحالي

إطلاق 500 مليار دينار من مستحقات المزارعين لشهر أيلول الحالي

2026-09-13 13:17 3971
القضاء الأعلى يجدد التزامه بالحفاظ على سيادة القانون وصون الحريات

القضاء الأعلى يجدد التزامه بالحفاظ على سيادة القانون وصون الحريات

2026-09-13 13:13 4658
أسعار صرف الدولار تحلق في أسواق بغداد وأربيل

أسعار صرف الدولار تحلق في أسواق بغداد وأربيل

2026-09-13 12:01 3749
الأنبار.. إيقاف بيع عقارين مساحتهما 186 دونماً بأقل من الأسعار السائدة

الأنبار.. إيقاف بيع عقارين مساحتهما 186 دونماً بأقل من الأسعار السائدة

2026-09-13 10:36 5567
طقس العراق.. انخفاض بدرجات الحرارة وغيوم بالمناطق الشمالية

طقس العراق.. انخفاض بدرجات الحرارة وغيوم بالمناطق الشمالية

2026-09-13 09:33 5394
قصر رونالدو بلا مشترٍ.. 700 ألف دولار تتبخر من قيمته

قصر رونالدو بلا مشترٍ.. 700 ألف دولار تتبخر من قيمته

2026-09-12 15:51 8124
ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريباً

ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريباً

2026-09-12 15:45 7247
بزشكيان: عدم استخدام أراضي الدول لتهديد الجيران مبدأ لا يجوز المساس به

بزشكيان: عدم استخدام أراضي الدول لتهديد الجيران مبدأ لا يجوز المساس به

2026-09-12 15:40 5807
القوات المسلحة الإيرانية: القدرات العسكرية الإيرانية تفوق تصورات العدو

القوات المسلحة الإيرانية: القدرات العسكرية الإيرانية تفوق تصورات العدو

2026-09-12 15:30 6742
الرئيس العراقي يدين الهجمات على السعودية ويرفض استخدام أراضي العراق

الرئيس العراقي يدين الهجمات على السعودية ويرفض استخدام أراضي العراق

2026-09-12 15:27 14431
رئيس البرلمان: رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار

رئيس البرلمان: رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار

2026-09-12 12:22 16668
الخارجية الإيرانية: اجتماع عُمان الاثنين خطوة أساسية لضمان أمن الخليج

الخارجية الإيرانية: اجتماع عُمان الاثنين خطوة أساسية لضمان أمن الخليج

2026-09-12 12:21 7898
طقس العراق.. استقرار في درجات الحرارة الأيام المقبلة

طقس العراق.. استقرار في درجات الحرارة الأيام المقبلة

2026-09-12 09:14 13758
ارتفاع جديد بأسعار الصرف في بغداد وأربيل مع افتتاح بداية الأسبوع

ارتفاع جديد بأسعار الصرف في بغداد وأربيل مع افتتاح بداية الأسبوع

2026-09-12 12:12 9572
الحلبوسي: لن نسمح باستخدام العراق لتهديد أمن السعودية ودول الجوار

الحلبوسي: لن نسمح باستخدام العراق لتهديد أمن السعودية ودول الجوار

2026-09-12 12:07 13088