المطلع
عاجل

post-image

العراقيون العائدون من المهجر: بين حلم الاستقرار وواقع التحديات


15:32 تقارير عربية ودولية
2025-12-17
41090

لم تعد الهجرة بالنسبة لآلاف العراقيين خياراً دائماً كما كانت في سنوات سابقة، فبعد تجارب طويلة في دول اللجوء، يعود كثيرون محمّلين بخبرات، وآمال مؤجلة، وخيبات غير معلنة، وبين تحسّن نسبي في بعض المناطق العراقية، وتشدد متزايد في سياسات الهجرة الأوروبية، تتشكل موجة عودة سنوية تطرح سؤالاً أساسياً: هل العودة بداية استقرار، أم محطة مؤقتة قبل رحلة جديدة؟.

وعلى مدى السنوات الأخيرة، سجّلت المنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من سبعة آلاف عراقي سنوياً من دول المهجر إلى العراق.

وهذه الأرقام لا تعكس قراراً فردياً معزولاً، بل ظاهرة متشابكة الأسباب، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية، والتحديات القانونية، والعوامل النفسية والاجتماعية.

وفي مقدمة هذه الأسباب، يبرز تشدد قوانين الإقامة واللجوء في عدد من الدول الأوروبية، ورفض كثير من الطلبات، إلى جانب طول فترات الانتظار للحصول على الإقامة أو الجنسية.

وكما شكّل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الاندماج في المجتمعات الغربية عاملاً ضاغطاً دفع العديد من العراقيين إلى إعادة التفكير بالبقاء خارج البلاد.

وإلى جانب ذلك، لعب الحنين إلى العائلة والشعور بالعزلة الاجتماعية دوراً حاسماً في اتخاذ قرار العودة، لا سيما لدى كبار السن والعائلات التي وجدت صعوبة في التكيّف مع أنماط الحياة الجديدة.

وفي مقابل هذه العوامل، ساهم تحسّن نسبي في الوضع الأمني ببعض المناطق العراقية، وتنامي فرص العمل المحدودة، في تشجيع عدد من العائلات على العودة.

ولكن تجربة العودة لم تكن دائماً كما هو متوقَّع. علي السيد، العائد من فنلندا بعد سبع سنوات من الهجرة، يروي لـ"العربي الجديد" أن:"خروجه من العراق عام 2004 جاء هرباً من واقع أمني قاسٍ، وأن رحلة اللجوء نفسها كانت مليئة بالتعقيدات القانونية والانتظار الطويل".

ويؤكد أن:"العودة التي كانت بدافع الحنين والضغط العائلي لم توفّر له الاستقرار المنشود، إذ واجه مخاوف أمنية متواصلة واضطر إلى تغيير سكنه أكثر من مرة، في ظل غياب دعم فعلي من مؤسسات الدولة أو منظمات المجتمع المدني".

ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور علي الكعبي أن:"عودة آلاف العراقيين سنوياً تعكس فشل تجربة الهجرة لدى شريحة واسعة بقدر ما تعكس تحسناً نسبياً داخل العراق".

ويشير إلى أن، كثيراً ممن غادروا بعد عام 2014 فعلوا ذلك لأسباب أمنية واقتصادية، إلا أن الواقع في أوروبا لم يكن أسهل، سواء من حيث فرص العمل أو الاندماج الاجتماعي أو الشعور بالانتماء، ما جعل العودة خياراً مطروحاً، خاصة مع برامج العودة الطوعية التي دعمتها بعض الحكومات الأوروبية.

ويحذّر الكعبي من أن:"هذه العودة، رغم بعدها الإنساني، تضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ اقتصادي حقيقي، يتمثل في ضرورة توفير فرص عمل وبرامج دمج اقتصادي واجتماعي، لمنع إعادة إنتاج أزمة الهجرة مرة أخرى".

ومن جهتها، تؤكد مديرة منظمة تمكين المرأة في العراق، ميسون البدري، أن العودة لا تعني فقط الانتقال من بلد إلى آخر، بل تمثل تجربة نفسية واجتماعية معقّدة.

وتوضح أن:"منظمتها، بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، تعمل عبر المراكز الألمانية–العراقية للوظائف والهجرة وإعادة الإدماج في بغداد وأربيل على تقديم الاستشارات الفردية، والتدريب المهني، والمساعدة في إيجاد فرص عمل، إضافة إلى دعم مالي وفني لإطلاق مشاريع صغيرة".

وتشير البدري إلى أن:"هذه البرامج ترافقها جهود للدعم النفسي والاجتماعي بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، بهدف تمكين العائدين من بناء حياة مستقرة والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل العراق".

وفي الإطار الحكومي، يوضح الدكتور فراس الراوي، العامل في دائرة القنصليات المعنية بملف عودة المهاجرين، أن عودة العراقيين جاءت نتيجة تنسيق مشترك بين الحكومة العراقية والمنظمات الدولية، ولا سيما المنظمة الدولية للهجرة.

ويؤكد أن:"السفارات العراقية لعبت دوراً أساسياً في فتح قنوات تواصل مع العائلات الراغبة بالعودة، وتقديم التسهيلات الإدارية والقنصلية، فضلاً عن تنظيم رحلات طوعية خاصة".

ويضيف أن:"وزارة الخارجية تعمل بالتعاون مع وزارة الهجرة والمهجرين وجهات حكومية أخرى على برامج لإعادة دمج العائدين، تشمل التدريب المهني وحزم دعم مالي أولية، لضمان أن تكون العودة بداية جديدة لا مجرد انتقال جغرافي".

ومن جانبه، يشير مدير عام دائرة شؤون الهجرة الدكتور صفاء أحمد إلى أن:"وزارة الهجرة تتابع ملف العائدين بشكل مستمر، وقد وضعت خطة شاملة لتسهيل اندماجهم في المجتمع المحلي"، معتبراً أن عودة هذا العدد من العراقيين تمثل مؤشراً على تنامي الثقة بالاستقرار النسبي في البلاد.

وأما المحلل السياسي الدكتور أسامة السعيدي، فيرى أن:"هذه الظاهرة تتجاوز بعدها الاجتماعي والاقتصادي، لتشكّل مؤشراً استراتيجياً على تغيّر المزاج العام لدى المهاجرين العراقيين، في ظل تشدد السياسات الأوروبية تجاه الهجرة".

ويؤكد أن:"عودة العقول والخبرات يمكن أن تكون فرصة حقيقية للعراق إذا ما أُحسن استثمارها، لكنها قد تتحول إلى عبء إضافي في حال غياب رؤية واضحة لإدارة هذا الملف".

وبين ضغط الغربة وتعقيدات الداخل، تبقى عودة العراقيين من المهجر مساراً مفتوحاً على احتمالات متناقضة.

فنجاح هذه التجربة لا يعتمد فقط على قرار العودة، بل على قدرة الدولة والمجتمع على توفير بيئة آمنة، وفرص عمل حقيقية، وبرامج دمج مستدامة، تحول العودة من مجرّد خيار اضطراري إلى خطوة ثابتة نحو الاستقرار والتنمية.

المصدر: موقع العربي + المطلع.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

بالوثيقة.. منع تكليف الطلبة بواجبات خارج الدوام والعطل عبر التواصل الاجتماعي

بالوثيقة.. منع تكليف الطلبة بواجبات خارج الدوام والعطل عبر التواصل الاجتماعي

2026-10-25 20:25 3013
​ترامب يستبعد أي تحرك عسكري فوري ضد طهران الليلة

​ترامب يستبعد أي تحرك عسكري فوري ضد طهران الليلة

2026-10-25 19:37 1997
التعليم تعلن إيقاف التقديم عبر منظومة البعثات الإلكترونية لغاية الخميس

التعليم تعلن إيقاف التقديم عبر منظومة البعثات الإلكترونية لغاية الخميس

2026-10-25 18:56 5017
اعتقال عضو باللجنة الفرعية لمؤسسة الشهداء بواسط متلبساً بتسلم رشوة

اعتقال عضو باللجنة الفرعية لمؤسسة الشهداء بواسط متلبساً بتسلم رشوة

2026-10-25 18:09 4383
طهران: لم نغادر المفاوضات أبدا ونتبادل الرسائل مع أمريكا عبر الوسطاء

طهران: لم نغادر المفاوضات أبدا ونتبادل الرسائل مع أمريكا عبر الوسطاء

2026-10-25 18:07 2740
الدولار يتراجع في أسواق بغداد وأربيل عند الإغلاق

الدولار يتراجع في أسواق بغداد وأربيل عند الإغلاق

2026-10-25 17:41 2897
تمديد الفصل التشريعي وإقرار قانون الإجازة طويلة الأجل.. أبرز قرارات البرلمان اليوم

تمديد الفصل التشريعي وإقرار قانون الإجازة طويلة الأجل.. أبرز قرارات البرلمان اليوم

2026-10-25 17:35 4033
المفوضية تصحح اسم المرشح البديل لعضوية مجلس محافظة البصرة

المفوضية تصحح اسم المرشح البديل لعضوية مجلس محافظة البصرة

2026-10-25 14:28 6762
إطلاق راتب المعين المتفرغ لأكثر من 384 ألف مستفيد

إطلاق راتب المعين المتفرغ لأكثر من 384 ألف مستفيد

2026-10-25 13:45 7507
عراقجي: هرمز ما بعد الحرب غير ما قبلها.. ولا مكان للقوات الأجنبية

عراقجي: هرمز ما بعد الحرب غير ما قبلها.. ولا مكان للقوات الأجنبية

2026-10-25 12:58 4807
المباشرة بصرف رواتب الموظفين لشهر تشرين الأول الحالي

المباشرة بصرف رواتب الموظفين لشهر تشرين الأول الحالي

2026-10-25 12:17 5768
انخفاض جديد بأسعار الدولار في الأسواق العراقية

انخفاض جديد بأسعار الدولار في الأسواق العراقية

2026-10-25 11:27 5308
ملاحقة مسؤول سابق اختلس مليارات الدينار وسط شبهات فساد إداري

ملاحقة مسؤول سابق اختلس مليارات الدينار وسط شبهات فساد إداري

2026-10-25 10:57 6747
منخفض جوي وأمطار رعدية تضرب مناطق عدة بالعراق

منخفض جوي وأمطار رعدية تضرب مناطق عدة بالعراق

2026-10-25 10:13 6839
قمة الحسم والهروب الكبير تختتم جولة دوري نجوم العراق اليوم

قمة الحسم والهروب الكبير تختتم جولة دوري نجوم العراق اليوم

2026-10-25 08:37 4881
ترامب: قد نضطر إلى إنهاء المهمة في إيران أو التوصل إلى اتفاق

ترامب: قد نضطر إلى إنهاء المهمة في إيران أو التوصل إلى اتفاق

2026-10-25 00:03 7162
التربية: غداً دوام رسمي في المدارس

التربية: غداً دوام رسمي في المدارس

2026-10-24 23:38 13507
​ائتلاف إدارة الدولة يدعو لحماية المتظاهرين ويشدد على إقرار الموازنة

​ائتلاف إدارة الدولة يدعو لحماية المتظاهرين ويشدد على إقرار الموازنة

2026-10-24 23:34 6850