المطلع
عاجل

post-image

العراق على أعتاب حكومة جديدة: مشهد سياسي تتقاطع فيه الأوزان والمصالح


20:57 تقارير عربية ودولية
2025-11-19
51543

في لحظة سياسية فارقة تشقّ طريقها وسط تعقيدات المشهد العراقي، تدخل البلاد مساراً دستورياً وسياسياً بالغ الحساسية مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، ومع انطلاق العدّ التنازلي لتشكيل الحكومة التاسعة منذ عام 2003، تتزاحم الاستحقاقات وتتشابك الحسابات بين القوى الفاعلة، فيما يتطلع العراقيون إلى مرحلة أكثر استقراراً بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.

وجاء في تقرير لموقع العربي الجديد وتابعته وكالة "المطلع"، أنه:"مع إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، مساء الاثنين، النتائج الرسمية والنهائية لانتخابات 11 نوفمبر/تشرين الثاني، انتقلت البلاد إلى المرحلة الأكثر تعقيداً في ما بعد الاستحقاق الانتخابي، وهي مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة وما يتطلبه ذلك من بناء تحالفات سياسية وترتيب تفاهمات حول توزيع المناصب وصياغة موازين سياسية ستحدد شكل السلطة خلال السنوات الأربع المقبلة".

ولم تحمل النتائج النهائية تغييرات جوهرية عمّا أعلنته المفوضية سابقاً؛ إذ تصدّر ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بـ46 مقعداً، تلاه حزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي بـ36 مقعداً، ثم ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي بـ29 مقعداً، يليه صادقون برئاسة قيس الخزعلي، ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني.

وفي خطوة لافتة من حيث سرعتها الزمنية، أعلن تحالف الإطار التنسيقي عن عودته للاجتماع بكامل قواه السياسية، مؤكداً عبر توقيعات رسمية  اعتباره "الكتلة النيابية الأكبر" المخوّلة دستورياً بتشكيل الحكومة الجديدة.

وبحسب بيان الاجتماع الذي حضره السوداني، جرى بحث معايير اختيار رئيس الوزراء وطبيعة البرنامج الحكومي المطلوب لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والخدمية في البلاد، بما ينسجم مع تطلعات العراقيين للإصلاح والتنمية.

الإطار التنسيقي يلتئم بكامل مكوناته

ويتكون الإطار التنسيقي من غالبية القوى والأحزاب الشيعية، باستثناء التيار الصدري، ويضم: ائتلاف دولة القانون، منظمة بدر، كتلة صادقون، تيار الحكمة، ائتلاف النصر، وتحالف الإعمار والتنمية بزعامة السوداني، إضافة إلى قوى مثل حزب الفضيلة، والعقد الوطني، والمجلس الأعلى، وحقوق، وخدمات، والأساس.

ويعدّ الإطار التنسيقي المظلّة السياسية الأكبر داخل البيت الشيعي منذ عام 2021.

ومع مصادقة المحكمة الاتحادية المرتقبة على النتائج النهائية، تنطلق رسمياً المرحلة الدستورية لتشكيل الحكومة.

حكومات ما بعد 2003

شهد العراق بعد الغزو الأميركي ثماني حكومات متعاقبة: حكومة إياد علاوي عام 2004، ثم حكومة إبراهيم الجعفري 2005، تلتها حكومتا نوري المالكي بين 2006 و2014، ثم حكومة حيدر العبادي، ثم حكومة عادل عبد المهدي التي استقالت تحت ضغط الاحتجاجات عام 2019، لتأتي بعدها حكومة مصطفى الكاظمي، فالحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني عام 2022 بعد أزمة سياسية خانقة أعقبت انتخابات 2021.

بدء الحوارات السياسية

ومن الناحية الدستورية، يُنتخب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، ثم يكلّف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً أخرى.

و لكن التجارب السابقة تؤكد أن هذه المدد غالباً ما تتحول إلى مساحات تفاوض طويلة بفعل تشابك المصالح السياسية.

وسياسياً، بدأت الحوارات فعلياً بين القوى الفائزة منذ يومين، وكان اجتماع الإطار التنسيقي وتصويته ليكون الكتلة الأكبر بأكثر من 170 مقعداً خطوة مفصلية تمنحه قدرة مريحة على تمرير القوانين والمناصب بأغلبية "النصف زائد واحد".

وقد حضر الاجتماع 12 قائداً من قادة الإطار، بينهم السوداني والمالكي والحكيم والعامري والخزعلي والعبادي.

وتتركز هذه الحوارات على توزيع الرئاسات الثلاث: البرلمان والرئاسة والحكومة، وفق التوازنات المكونية والسياسية المعتادة.

الإطار يحافظ على تماسكه

ووفق بيان الإطار، فقد شدّد على:"ضرورة استكمال الاستحقاقات الانتخابية ضمن المدد الدستورية، وأعلن رسمياً اعتباره الكتلة الأكبر، مع تشكيل لجنتين: الأولى لرسم رؤية موحدة لإدارة الدولة، والثانية لمقابلة المرشحين لمنصب رئيس الوزراء".

ويؤشر البيان إلى تجاوز المخاوف المتعلقة بإمكانية سعي السوداني للحصول على ولاية ثانية بعيداً عن الإطار عبر تفاهمات منفردة، أو محاولة خصومه تفتيت ائتلافه.

ومن جانبه أكد السوداني، خلال منتدى السلام والأمن في دهوك، أن:"العراق لن يكون ساحة نفوذ لأي دولة، وأن الولاية الثانية ليست هدفاً شخصياً بل استعداد لتحمّل المسؤولية، مشيراً إلى بدء الإطار حوارات تشكيل الرئاسات".

آراء المراقبين

ورحّب مراقبون بخطوة الإطار، معتبرين أنها تعبّر عن "نضوج سياسي".

ويقول الخبير علي الطيب للعربي الجديد، أن:"حسم ملف الكتلة الأكبر بهذه السرعة خطوة إيجابية تمنع الانزلاق إلى أزمات طويلة".

وأما الناشط مجاشع التميمي فأوضح للعربي الجديد أن:"العملية السياسية تدخل مرحلتها الدستورية الثانية: مصادقة المحكمة الاتحادية، ثم دعوة البرلمان للانعقاد خلال 15 يوماً. وفي الجلسة الأولى يُنتخب رئيس البرلمان ونائباه، ثم يُفتح باب الترشيح لرئاسة الجمهورية خلال 30 يوماً، ومن بعدها يكلّف الرئيس مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً أيضاً".

ويؤكد التميمي أن، الحوارات السياسية تتكثف بعد المصادقة النهائية، وتشمل ترتيب التحالفات وتوزيع المناصب وفق مبدأ التوازن بين المكونات، وغالباً عبر اتفاق سياسي شامل يحسم رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الوزراء للكتلة الشيعية الأكبر. ويتوقّع أن تستغرق عملية التفاهم نحو شهرين إلى ثلاثة أشهر.

وأما الخبير علي ناصر، فيؤكد وجود بوادر جيدة على توافقات سياسية بين مختلف المكونات، ويرى أن:"الحكومة المقبلة قد تُعلن بصيغة وزارية مختلفة بفعل الضغوط الشعبية والخارجية والمتغيرات الإقليمية".

التحديات أمام الحكومة المقبلة

ويتطلع العراقيون إلى حكومة قادرة على معالجة ملفات الفقر والبطالة والخدمات، فيما تواجه الحكومة المقبلة تحديات إضافية على رأسها: ملف الفصائل المسلحة، والنازحين، وسحب الحشود من مراكز المدن، وإعادة السكان الممنوعين إلى مناطقهم، إضافة إلى الخلافات بين بغداد والإقليم، وملفات حقوقية أخرى.

وفي المقابل يرى الباحث السياسي ياسين عزيز بحسب التقرير، أن:"الحوارات بدأت قبل الانتخابات، لكنها أصبحت أوضح بعد ظهور النتائج. إلا أن الخلافات داخل البيت الكردي  بين الديمقراطي والاتحاد ما تزال تعرقل الاتفاق على مرشح رئاسة الجمهورية، وكذلك الحال داخل المكونات السنية بشأن رئاسة البرلمان".

المسار الدستوري

ويشرح الخبير الدستوري علي التميمي للعربي الجديد أن:"المصادقة على النتائج من قبل المحكمة الاتحادية هي المحطة القانونية الأخيرة. ثم يُنتخب رئيس البرلمان ونائباه بالأغلبية المطلقة، وبعدها يُفتح باب الترشيح لرئاسة الجمهورية خلال ثلاثة أيام. ويُنتخب الرئيس بأغلبية الثلثين، وإذا تعذّر ذلك تجرى جولة ثانية يحسمها الأغلبية البسيطة. بعدها يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة ووضع برنامج وزاري خلال 15 يوماً من انتخابه، وللمكلّف 30 يوماً لإكمال تشكيلته الوزارية التي تحتاج إلى مصادقة الأغلبية المطلقة، وإلا يُكلّف مرشح آخر وفق المادة 76 من الدستور".

وهكذا يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، تتداخل فيها المسارات الدستورية مع حسابات القوى المتنافسة، فيما ينتظر الشارع ولادة حكومة تستطيع تجاوز إرث الأزمات وبناء مسار أكثر استقراراً.

ومع أن الطريق ما يزال طويلاً ومعقّداً، فإن قدرة المكونات السياسية على التفاهم والتنازل ستبقى العامل الحاسم في إنتاج حكومة قادرة على مواجهة تحديات الداخل ومتغيرات الإقليم، وتحقيق ما يطمح إليه العراقيون من أمن وتنمية وإصلاح.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

ضبط متهمين بقضايا تزوير وابتزاز واستيلاء على رواتب تقاعدية بكركوك

ضبط متهمين بقضايا تزوير وابتزاز واستيلاء على رواتب تقاعدية بكركوك

2026-10-11 15:58 116
رئاسة الجمهورية تدين الهجوم على مطار الملك خالد وتصفه بالتصعيد الخطير

رئاسة الجمهورية تدين الهجوم على مطار الملك خالد وتصفه بالتصعيد الخطير

2026-10-11 15:57 179
السجن 15 سنة لمدانين عن جريمة الاستيلاء على مبالغ مالية

السجن 15 سنة لمدانين عن جريمة الاستيلاء على مبالغ مالية

2026-10-11 14:00 2187
اعتقال شبكة تجبر الموطنين على بيع أعضائهم البشرية بسبب الديون

اعتقال شبكة تجبر الموطنين على بيع أعضائهم البشرية بسبب الديون

2026-10-11 13:58 2139
التعليم تعلن نتائج القبول المركزي في كليتي التميز والذكاء الاصطناعي

التعليم تعلن نتائج القبول المركزي في كليتي التميز والذكاء الاصطناعي

2026-10-11 12:46 4844
العراق يدين استهداف مطار الملك خالد الدولي ويشدد على الحوار للتهدئة

العراق يدين استهداف مطار الملك خالد الدولي ويشدد على الحوار للتهدئة

2026-10-11 11:27 2815
تراجع طفيف لأسعار الدولار في أسواق بغداد وأربيل

تراجع طفيف لأسعار الدولار في أسواق بغداد وأربيل

2026-10-11 11:07 3416
ريال مدريد يهزم فياريال بهدف دون رد في الدوري الإسباني

ريال مدريد يهزم فياريال بهدف دون رد في الدوري الإسباني

2026-10-11 00:01 5081
الحكيم عن تعديل الحكومة سعر الصرف: بهدف مواجهة المضاربين

الحكيم عن تعديل الحكومة سعر الصرف: بهدف مواجهة المضاربين

2026-10-10 22:25 5065
ترامب: ربما نشارك بالضربات على الحوثيين وسندرس الأمر

ترامب: ربما نشارك بالضربات على الحوثيين وسندرس الأمر

2026-10-10 21:07 5174
الدولار يتجاوز حاجز 164 ألف دينار في العراق مع إغلاق البورصات

الدولار يتجاوز حاجز 164 ألف دينار في العراق مع إغلاق البورصات

2026-10-10 19:11 5845
السوداني يؤكد أهمية تجاوز التجاذبات الحزبية والطائفية لتحقيق سيادة العراق

السوداني يؤكد أهمية تجاوز التجاذبات الحزبية والطائفية لتحقيق سيادة العراق

2026-10-10 17:48 11264
الرقابة المالية: أغلب ملفات الفساد المتداولة شُخصت بتقاريرنا السابقة وأحيلت للنزاهة

الرقابة المالية: أغلب ملفات الفساد المتداولة شُخصت بتقاريرنا السابقة وأحيلت للنزاهة

2026-10-10 17:32 9153
الأمن الوطني يحرر مسؤولين سابقين ويعتقل ثمانية متورطين بعملية بغداد

الأمن الوطني يحرر مسؤولين سابقين ويعتقل ثمانية متورطين بعملية بغداد

2026-10-10 16:31 5164
العراق.. الخلافات تؤجل استكمال الكابينة الوزارية وأزمة الدولار تربك الأسواق

العراق.. الخلافات تؤجل استكمال الكابينة الوزارية وأزمة الدولار تربك الأسواق

2026-10-10 13:25 5558
إيقاف ثلاثة موظفين بقطاع كهرباء نينوى متلبسين بطلب رشوة

إيقاف ثلاثة موظفين بقطاع كهرباء نينوى متلبسين بطلب رشوة

2026-10-10 12:18 6538
تراجع أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع تطبيق التسعيرة الجديدة

تراجع أسعار الدولار في بغداد وأربيل مع تطبيق التسعيرة الجديدة

2026-10-10 12:15 7925
الإعلام والاتصالات تصدر إعماماً بشأن تغطية المستجدات الاقتصادية وتعديل سعر الصرف

الإعلام والاتصالات تصدر إعماماً بشأن تغطية المستجدات الاقتصادية وتعديل سعر الصرف

2026-10-10 12:11 7743