المطلع
عاجل

post-image

الخطّابة الإلكترونية في العراق: وساطة الزواج تدخل الفضاء الرقمي


01:14 تقارير عربية ودولية
2025-09-03
69364

يشهد المجتمع العراقي ظهور نمط حديث من وساطة الزواج يُعرف بـ"الخطّابة الإلكترونية"، نتيجة لتوسع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب ضعف الرقابة المجتمعية وغياب الإطار القانوني. ويقوم بهذا الدور وسطاء ووسيطات عبر الإنترنت، ينشطون على صفحات وحسابات في منصات مثل فيسبوك وتلغرام وإنستغرام وواتساب، حيث يقدّمون خدمات "التوفيق بين الشباب والفتيات" بهدف الزواج

وبينما يُنظر إليها أحياناً كامتداد رقمي لدور الخطّابة التقليدية، فإنها تنطوي في كثير من الحالات على أبعاد مقلقة، تمتد من التجاري إلى الاحتيال، بل وتصل في بعض الحالات إلى الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.

في هذا المجال، تبرز "أم سمية"، وهي سيدة عراقية تدير منذ عام 2021 صفحة متخصصة في الوساطة للزواج على فيسبوك. تقول في حديثها لـ"العربي الجديد": "أدير صفحة تضم أكثر من 200 ألف متابع، وكل ما أقدمه يندرج في إطار الستر والزواج بالحلال. تصلنا طلبات يومية وبعضها من أهالٍ يبحثون عن زوجات لأبنائهم الذين يواجهون صعوبات في العثور على شريكة مناسبة".
وتشدّد على أن نشاطها لا يخرق القانون، بل يسعى لمساعدة الراغبين في الزواج، مؤكدةً أنها تتقاضى أجراً رمزياً، وأنها تملك من الخبرة ما يؤهلها لتمييز الباحثين الجادين عن الزواج من غيرهم.

وتقول: "لا أُزكّي أي فتاة إلا بعد التأكد منها ومن أسرتها، ولم أُجبر أحداً يوماً على القبول بشخص لا يرغب فيه. وقد ساعدتُ في إتمام أكثر من 70 حالة زواج ناجحة".
لكنها لا تُخفي امتعاضها من بعض الصفحات المشبوهة التي أساءت إلى هذا المجال، قائلة: "المشكلة في من دخلوا المجال بدافع الربح فقط، دون ضوابط أو أخلاق. هؤلاء يجب أن يُحاسَبوا قانونياً".
من جهته يقول رائد الموسوي، الباحث المختص في علم الاجتماع الرقمي وشؤون الأسرة، لـ"العربي الجديد"، إن "انتشار ظاهرة الخطابة الإلكترونية في العراق لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتشابك عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية".

ويضيف: "الوضع الاقتصادي السيئ جعل من الزواج حلماً بعيد المنال لكثير من الشباب، فبات يُنظر إليه كنوع من الصفقة الاجتماعية التي يجب إنجازها بأي وسيلة ممكنة، حتى لو عبر وسطاء مجهولين على الإنترنت. كما أن العادات والتقاليد الصارمة في بعض المحافظات، لا تسمح للشاب أو الفتاة بالتواصل الحر مع الطرف الآخر، فيلجأ كثيرون إلى الوساطة الإلكترونية باعتبارها حلاً وسطاً بين الرغبة في الزواج وبين القيود الاجتماعية".
ويتابع: "غياب الرقابة القانونية سمح بتحول هذه الوساطة إلى تجارة غير مشروعة أحياناً، إذ لا يوجد قانون عراقي صريح ينظم عمل هذه الصفحات، ولا رقابة فاعلة من الدولة أو من المؤسسات الدينية والاجتماعية، فضلاً عن التكنولوجيا التي سهّلت الأمر على الجميع، وفتحت الباب أمام التزوير، وإنشاء حسابات وهمية، وانتحال الصفات. فإن الشاب أو الفتاة قد لا يعرفان مَن الطرف الآخر أصلاً، وهذا يفتح الباب للاحتيال أو الابتزاز".

ويشير إلى "الضغط المجتمعي الهائل الذي تخضع له الفتيات، إذ إن الكثير منهن يبحثن عن زواج يحفظ كرامتهن، لكنهن يخشين من رفض الأهل أو نظرة المجتمع، فيلجأن إلى وسائل يُعتقد أنها آمنة، بينما قد تكون أكثر خطورة من المواجهة الصريحة. وهذا الأمر بحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تشريع قانوني واضح، إلى جانب حملات توعية تُظهر المخاطر، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الزواج الرسمية والمجتمعية".

ويوضح منهل مشتاق، المختص في الأمن السيبراني وتصميم المواقع الإلكترونية، كيف تتم الخطابة الإلكترونية. ويبيّن أن "الخطوة الأولى تكون عن طريق إعلان إلكتروني في هذه الصفحات (صفحة خطابة) أو صفحة (نخطب لك)، مثلاً، وتُنشر فيه صور لفتيات، وهي غالباً وهمية أو رمزية وليست للشخصية المعنية، مع معلومات العمر، الحالة الاجتماعية، والطول والوزن والملامح وغيرها، وكذلك المهر المطلوب وأي شروط أخرى، ومن ثم يتم التواصل عبر الدردشة، حيث يطلب الوسيط بيانات الطرف الآخر، مع ذكر مبلغ مالي على هيئة رسوم تسجيل".
ويتابع مشتاق: "تتحول عادة هذه الحالة إلى الابتزاز أو الاحتيال بعد الدفع، فقد يختفي الوسيط أو تُستخدم البيانات لاحقاً للضغط أو الابتزاز. لكن هذا لا يعني أن جميعها وهميةً، فهناك حالات يتم فيها ترتيب لقاءات تنتهي بعلاقات مشبوهة، أو زيجات غير قانونية، أو يُستدرج الأشخاص لاستغلال جنسي".


أما مهند الجابري، الباحث وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، فيرى أن "الخطابة الإلكترونية إفراز طبيعي لتغير البنية الاجتماعية والتواصلية في البلاد". يقول: إننا "أمام جيل يعيش في فضاء رقمي بالكامل، ويعاني من انقطاع شبه كامل عن آليات الزواج التقليدية التي كانت تعتمد على العائلة أو الجيران أو المعارف".

ويلفت إلى أن "الخطير في هذه الظاهرة ليس فقط عدم خضوعها لأي رقابة، بل في الطابع التجاري الذي بدأت تأخذه، حتى إن بعض الصفحات باتت تعرض "كاتالوغات" للفتيات أو الشبان، وكأننا أمام سوق زواج مفتوح بلا أي ضوابط أخلاقية أو دينية". ويتابع "هناك مستخدمون لهذه الصفحات يعانون من وحدة، فراغ عاطفي، أو حتى ضغط مجتمعي مباشر. بعض الفتيات، خاصة الأرامل أو المطلقات أو اللواتي تجاوزن سن الثلاثين، يجدن في هذه الصفحات طوق نجاة من نظرة المجتمع القاسية".

من جانبه يقول المحامي عبد الله الساعدي، المختص في القانون الجنائي، لـ"العربي الجديد": "الخطّابة الإلكترونية، بصيغتها المتداولة حالياً، تمثل ثغرة قانونية واضحة في العراق، فنحن أمام نشاط يُمارس خارج إطار الترخيص، وغالباً دون رقابة، ويتورط فيه أفراد مجهولون يختبئون خلف شاشات إلكترونية، في بيئة غابت عنها الضوابط الأخلاقية والتشريعات الصريحة".
ويضيف، "استقبلنا خلال الأشهر الأخيرة عشرات الحالات، تتراوح بين الاحتيال المالي، والابتزاز، ووصل بعضها إلى استغلال جنسي لفتيات قاصرات، بحجة التزويج الشرعي عبر وسطاء إلكترونيين".

 ويتابع، "المشكلة لا تكمن فقط في مَن يدير هذه الصفحات، بل في البيئة القانونية الضعيفة التي لا تُجرّم هذا النوع من النشاط بشكل صريح، فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 لم يُحدَّث بما يكفي ليواكب الجرائم الإلكترونية المعاصرة، كما أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 لم يتطرق بوضوح لمسألة التزويج الوهمي عبر الإنترنت. وهذا ما يجعلنا بحاجة ماسة إلى تشريع خاص يُنظم أعمال الوساطة الإلكترونية، يفرض ترخيصاً، ويعاقب المخالفين بعقوبات رادعة، خاصةً حين يتبين أن هناك قضايا تتعلق بالابتزاز أو الاتجار".

وترى وزارة الداخلية العراقية أن الفضاء الإلكتروني أحد الأركان الأساسية في التواصل مع المواطنين في وقتنا هذا، لكنه يمثل تحدياً كبيراً في ظل انتشار صفحات إلكترونية تنشر محتوى قد يكون ضاراً بالمجتمع.
ويقول ضابط برتبة مقدم في الشرطة المجتمعية لـ"العربي الجديد": "دورنا هو تعزيز الأمن المجتمعي، ومراقبة هذه الصفحات بحرص شديد، خاصة إذا كان المحتوى يروج للعنف أو يثير الفتن بين أبناء الشعب العراقي".

ويضيف: "لا نهدف إلى تقييد حرية التعبير، لكننا نولي اهتماماً خاصاً بتلك الصفحات التي تروج لخطابات متشددة أو تحتوي على رسائل تحريضية. تتعاون الشرطة المجتمعية مع الجهات المختصة مثل هيئة الإعلام والاتصالات لضمان أن يكون المحتوى المتداول في الفضاء الإلكتروني متوافقاً مع قيمنا ولا يهدد استقرارنا الداخلي".
ويضيف، طالباً عدم الإفصاح عن نفسه كونه غير مخوّل بالتصريح وفقاً لقوله، أنه "من المهم أن ندرك أن الخطابة الإلكترونية ليست حكراً على الأشخاص المتطرفين فقط، بل يمكن أن تشمل أيضاً أشياء قد تكون غير مقصودة، مثل نشر معلومات مغلوطة أو تحريضية تحت ستار الدين أو السياسة. لذلك، نحن ملتزمون بالتدخل السريع لحماية أمن المواطن وضمان عدم استغلال هذه المنابر في نشر الأفكار التي قد تقود إلى الفوضى.

كلمات مفتاحية

اخبار ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

أرنولد يطوي صفحة "خليجي 27" ويُراهن بالعناصر الجديدة على التألق الآسيوي

2026-10-03 17:03 638
​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

​طهران تشكر بغداد على تسهيل أربعين رحلة جوية يومياً عبر النجف

2026-10-03 16:02 1821
خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

خريطة احتياطيات الذهب العربية.. السعودية بالصدارة والعراق ثالثاً

2026-10-03 15:20 1903
القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

القبض على تجار مخدرات دوليين على الحدود العراقية - السورية

2026-10-03 15:14 2020
اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

اعتقال 308 متهمين خلال أيلول الماضي بينهم 31 بقضايا نزاهة

2026-10-03 14:45 1939
تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

تباين الذهب في الأسواق العراقية.. تراجع بالعاصمة وارتفاع بكردستان

2026-10-03 12:41 2448
مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

مجلس النواب ينشر جدول أعمال جلسة يوم الإثنين المقبل

2026-10-03 12:00 5141
الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

الدولار يستهل بداية الأسبوع مرتفعاً مقابل الدينار العراقي

2026-10-03 11:32 3064
التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

التعليم تعلن تمديد التقديم إلى قنوات القبول المركزي

2026-10-03 10:29 5911
الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

الأنواء: 16 محافظة تسجل دون الأربعين درجة

2026-10-03 10:28 4997
الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

الأنواء: استمرار فرص هطول الأمطار في البلاد

2026-10-03 00:01 10035
ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

ترامب: قضية إيران ستنتهي قريباً وستنخفض أسعار النفط

2026-10-02 23:16 5416
العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

العراق يثمن التفهم الأمريكي ويؤكد حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة

2026-10-02 21:44 10141
استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

استئناف الرحلات الجوية لشركات الطيران الإيرانية من وإلى مطار النجف

2026-10-02 21:01 9522
العراق يحذر من تجدد الصراع الأمريكي الإيراني ويعلن استعداده للوساطة بينهما

العراق يحذر من تجدد الصراع الأمريكي الإيراني ويعلن استعداده للوساطة بينهما

2026-10-02 18:22 5710
اجتماع مرتقب بالرياض لتفعيل التعاون العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان

اجتماع مرتقب بالرياض لتفعيل التعاون العسكري بين السعودية وتركيا وباكستان

2026-10-02 18:12 4483
الأنواء: لا مؤشرات لعواصف ترابية خلال الموسم الشتوي

الأنواء: لا مؤشرات لعواصف ترابية خلال الموسم الشتوي

2026-10-02 16:05 10091
​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

​تحديث أمني عاجل من آبل لسد ثغرة استهدفت أجهزة آيفون وآيباد

2026-10-02 14:11 4854