المطلع
عاجل

post-image

بين ترامب وبايدن.. هل يقع العالم في الفخّ الأميركيّ؟

الكاتب: ادارة الموقع


14:12 مقالات عامة
2020-12-04
51748
مع قرب تسلّم بايدن السلطة، هناك أسئلة كبرى مطروحة منها: هل من السّهولة والبساطة أن تسمح الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية بوصول إدارتها إلى هذا الموقع غير المتوازن دولياً؟

لا شكّ في أنَّ عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترامب كان لافتاً بغرابته غير الطبيعية، وذلك مقارنة مع مسار تاريخي من السياسة الأميركية كان دائماً مختلفاً عما شهدناه في السنوات الأربع الأخيرة، إذ كان يطبع هذه السياسة قبل الرئيس ترامب الكثير من التنوع بين الدبلوماسية والسياسة والضغوط، بحيث يبقى التواصل المتوازن قائماً مع باقي دول العالم، وعلى الأقل مع الدول الفاعلة والكبرى، وذلك إلى درجة كافية لتنفّذ واشنطن مخططاتها بالحد الأدنى، من دون الاصطدام الواسع والعنيف مع الجميع تقريباً، كما شهدنا في عهد الرئيس ترامب.

هذا الاصطدام السياسيّ والدبلوماسيّ الأميركيّ مع أغلب الدّول، والذي شكَّل مرحلة من اللاتوازن الدولي ومن تخطي الأعراف والمواثيق، يمكن تحديده بالنقاط التالية: 
أولاً: الاصطدام مع الدّول الكبرى ومع القانون الدّوليّ 
تعدّدت الاتفاقيات الدّوليّة التي انسحب منها الرئيس ترامب. وقد خرج من أغلبها، على الرغم من أنَّ الرؤساء الأميركيين السابقين كانوا من الساعين والمؤيدين، وحتى الرعاة أحياناً، لتلك الاتفاقيات، ومنها اتفاقيتا المناخ والتجارة الدولية (أدار ظهره للأخيرة بفرضه رسوماً جمركية تتجاوز سقوفها القانونية)، إضافةً إلى انسحابه من أكثرها حساسية، والمتعلّقة بنزع أو خفض أو تقييد القدرات النووية والصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، أو ما يتعلّق بمعاهدة الأجواء المفتوحة أو بمعاهدة حظر الأسلحة الكيمياوية والجرثومية، إذ انسحبت واشنطن عملياً من بعض تلك الاتفاقيات، من دون الإعلان رسمياً عن ذلك.

من جهة ثانية، خلق ترامب إشكاليّة غير مفهومة مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مهدداً بالانسحاب منه، وذلك على خلفية تمويل ميزانيّة الحلف المذكور، متجاوزاً نظام تأسيس الأخير وتحديداً النقطة المتعلقة بطريقة التمويل ونسبة التزام كل طرف.

أيضاً، خلق الرئيس ترامب اشتباكاً خطيراً وحساساً مع الصين على خلفيات تجارية ومالية غير مبررة، أو على خلفية اتهامه بكين بالتسبب بنشر فيروس كورونا عبر العالم، ما أنتج جواً من التوتر والتشنج في شمال المحيط الهادي وفي بحر الصين الجنوبي يحمل نسبة كبيرة من إمكانية الصدام العسكري.
ثانياً: الاصطدام مع قضية فلسطين والحقوق العربية

لم يعمد أيّ رئيس أميركيّ قبل الرئيس ترامب إلى إعطاء "إسرائيل" ما أعطاها إياه الأخير على حساب الحقوق العربية والفلسطينية. لم يكن أحد من هؤلاء أساساً في أيّ فترة مع تلك الحقوق، ولكنَّ الرئيس ترامب تجاوز الجميع في قراراته ومواقفه في عدم الالتزام بأغلب ما كانت المؤسسات الدولية قد ثبتته من هذه الحقوق - على ضآلته. هذه المواقف تُلخّص بالتالي:

 - نقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالأخيرة عاصمة لـ"إسرائيل".

 - فتح باب الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" على مصراعيه، لناحية زيادة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وتثبيتها بشكل مخالف لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول وجوب وقف الاستيطان وإزالة أغلبها.

 - نزع صفة الأراضي المحتلة عن القسم الذي تحتلّه "إسرائيل" من الجولان السوري، بعكس نظرة وموقف الأمم المتحدة وأغلب الدول الغربية، وحتى الحليفة منها لواشنطن.

 - الدفع بكل قوة ونفوذ واشنطن دبلوماسياً ومالياً وعسكرياً لدفع دول عربية وإسلامية إلى التطبيع مع "إسرائيل" أو لتوقيع أكبر عدد من الاتفاقيات بين الأخيرة وبين دولٍ عربية، مثل الإمارات والبحرين والسودان، والحبل على الجرار.

ثالثاً: الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران

بشكل مخالف لكل الأعراف والمواثيق الدولية، ومن دون أي مبرر منطقي أو قانوني، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني المصدق من الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن، مع فرضه عقوبات قاسية وغير إنسانية على إيران، وذلك خلافاً لكل الأعراف والقوانين الدولية. 

من هنا، هذا العدد غير البسيط من المعاهدات التي انسحب منها الرئيس ترامب، إضافةً إلى أغلب الصدامات والخلافات التي افتعلها مع الدول الكبرى وغيرها، أوحى بأنَّ الولايات المتحدة الأميركية أصبحت مع الرئيس ترامب غير مؤهلة للالتزام بأغلب ما تتعهد به إداراتها تحت سقف القانون الدولي، ما يجعلها أقرب إلى دولة مارقة خارجة عن المجتمع الدولي ومؤسساته. 

كل ذلك في الوقت الذي لا يمكن لهذا المجتمع أن يتغاضى أو يتجاوز الموقف أو الموقع الأميركي بتاتاً، أولاً بسبب القدرات الضخمة التي تملكها الولايات المتحدة الأميركية، وثانياً بسبب نفوذ الأخيرة حول العالم، وقدرتها الواضحة على التأثير في أغلب الملفات الدولية بشكل مباشر.

الآن، ومع قرب تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن السلطة، هناك أسئلة كبرى يجب طرحها ومحاولة الوقوف على أبعادها، وهي:

هل من السّهولة والبساطة أن تسمح الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية بوصول إدارتها إلى هذا الموقع غير المتوازن دولياً؟ وهل يمكن لأيّ رئيس أميركيّ، مهما كانت صلاحياته، استناداً إلى الدستور، أن يوجه سياسة هذه الدولة القوية والقادرة، صاحبة النفوذ الواسع في العالم، كما يريد، وتبعاً لأهوائه الشخصية؟

في الواقع، من غير المنطقي أن يكون الموضوع بهذا الشّكل وبهذه البساطة، الأمر الذي يدفعنا إلى التفكير في إطار آخر لا يمكن استبعاده، ويقوم على إمكانية وجود اتفاق عميق ومخفي بين عدد محدد من نافذي كلّ من الجمهوريين والديموقراطيين من المؤثرين في سياسة الولايات المتحدة العميقة والثابتة في كل العهود، يقضي بإيصال العالم أو على الأقل الدول الفاعلة منه، إلى المقارنة بين السيئ والأسوأ، أي بين نموذج ترامب غير المتوازن الذي أصبح الجميع تقريباً مستعدين للهروب منه في العلاقات الدولية وفي التنافس والصراع على النفوذ، ونموذج بايدن الدبلوماسي والهادئ والملتزم بتعهدات الإدارة الأميركية، فتهرع هذه الدول للاتفاق أو الاقتراب أو الاقتناع بسياسة أو نموذج بايدن المعاكس أو المختلف عن نموذج ترامب.

من جهة أخرى، تكون المرحلة اللاحقة من المناورة الأميركية (المشتركة بين الجمهوريين والديموقراطيين) إعادة فتح خطوط التواصل بين أغلب هذه الدول الّتي اصطدمت مع ترامب، ومنها الصين وروسيا وإيران والاتحاد الأوروبي والعرب غير المطبعين، وذلك على أساس تحقيق توازن المصالح، وتحت سقف المنافسة المعقولة والطبيعية غير الصدامية، بحيث تنطلق الولايات المتّحدة الأميركيّة بإدارة بايدن في تلك المفاوضات وهي تملك في الأساس نقطة رابحة قوامها رغبة الجميع وحاجتهم للاتفاق معها بنموذج بايدن الدبلوماسي الهادئ والساعي إلى إعادة التواصل الدولي، والمختلف أو المعاكس بالكامل عن نموذج ترامب الصدامي والمشاكس، والذي كان شعاره "أميركا أولاً".

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

تأكيد على الاستقرار والدستور.. مباحثات بين الزيدي وبارزاني لتصفير الأزمات العالقة

تأكيد على الاستقرار والدستور.. مباحثات بين الزيدي وبارزاني لتصفير الأزمات العالقة

2026-08-06 00:02 4468
قرار اضطراري يغير شكل الهاتف القادم.. ماذا تُخفي سامسونغ لجمهورها

قرار اضطراري يغير شكل الهاتف القادم.. ماذا تُخفي سامسونغ لجمهورها

2026-08-05 23:54 3366
الحوثيون يعلنون استهداف سفينة نفطية سعودية بصاروخ باليستي في خليج عدن

الحوثيون يعلنون استهداف سفينة نفطية سعودية بصاروخ باليستي في خليج عدن

2026-08-05 23:01 4002
بين دعم الصحافة وضبط "الميديا".. قرارات صارمة لخلية الإعلام الأمني بكركوك

بين دعم الصحافة وضبط "الميديا".. قرارات صارمة لخلية الإعلام الأمني بكركوك

2026-08-05 22:58 3919
الكهرباء تفاتح المالية لإيقاف استيفاء أقساط القروض من منتسبي الوزارة مؤقتاً

الكهرباء تفاتح المالية لإيقاف استيفاء أقساط القروض من منتسبي الوزارة مؤقتاً

2026-08-05 21:45 26322
​زيارة أمنية مرتقبة ومفاوضات هرمز.. ملفات ساخنة بين بغداد والرياض

​زيارة أمنية مرتقبة ومفاوضات هرمز.. ملفات ساخنة بين بغداد والرياض

2026-08-05 20:29 30898
ارتفاع قياسي لأسعار الغاز في الأسواق الأوروبية

ارتفاع قياسي لأسعار الغاز في الأسواق الأوروبية

2026-08-05 20:04 4440
الحكم على الهارب باسم خشان بالحبس الشديد ثلاث سنوات وغرامة مالية

الحكم على الهارب باسم خشان بالحبس الشديد ثلاث سنوات وغرامة مالية

2026-08-05 20:00 7471
ارتفاع أسعار الدولار في الأسواق العراقية مع إغلاق البورصات

ارتفاع أسعار الدولار في الأسواق العراقية مع إغلاق البورصات

2026-08-05 19:17 4553
منها العمارة وبغداد.. 4 مناطق عراقية ضمن الأعلى حرارة على مستوى العالم

منها العمارة وبغداد.. 4 مناطق عراقية ضمن الأعلى حرارة على مستوى العالم

2026-08-05 16:45 5827
مصدر: اتحاد الكرة يجدد عقد آرنولد لقيادة المنتخب الوطني

مصدر: اتحاد الكرة يجدد عقد آرنولد لقيادة المنتخب الوطني

2026-08-05 15:46 4768
قائمة صباحية بأسعار صرف الدولار في العراق بعد انتهاء عطلة الأربعين

قائمة صباحية بأسعار صرف الدولار في العراق بعد انتهاء عطلة الأربعين

2026-08-05 12:19 5361
الصدر يدعو لإحياء الشعيرة النبوية في ذكرى وفاة الرسول الأعظم

الصدر يدعو لإحياء الشعيرة النبوية في ذكرى وفاة الرسول الأعظم

2026-08-05 11:10 24190
ترامب: مضيق هرمز قد يفتح اليوم أو غداً

ترامب: مضيق هرمز قد يفتح اليوم أو غداً

2026-08-05 11:06 5909
طقس العراق.. انخفاض مرتقب بالحرارة وتصاعد للغبار خلال الأيام المقبلة

طقس العراق.. انخفاض مرتقب بالحرارة وتصاعد للغبار خلال الأيام المقبلة

2026-08-05 09:55 11929
هبوط أسعار النفط مع ارتفاع المخزونات الأمريكية وتراجع مخاوف الإمدادات

هبوط أسعار النفط مع ارتفاع المخزونات الأمريكية وتراجع مخاوف الإمدادات

2026-08-05 09:18 6247
للجلسة الثالثة على التوالي.. الذهب يواصل صعوده مع تراجع الدولار والنفط

للجلسة الثالثة على التوالي.. الذهب يواصل صعوده مع تراجع الدولار والنفط

2026-08-05 08:53 5648
الأربعينية في كربلاء.. نجاح أمني وخدمي تام واستقرار يرسخ قدرة الدولة

الأربعينية في كربلاء.. نجاح أمني وخدمي تام واستقرار يرسخ قدرة الدولة

2026-08-04 22:20 33380