المطلع
عاجل

post-image

أمراض الفيسبوك..!

الكاتب: ادارة الموقع


23:02 مقالات عامة
2021-02-10
26007

أصبح الفيسبوك وعموم وسائل التواصل الاجتماعي متنفساً للجميع، بصرف النظر عن أهداف كل شخص، وزاوية نظره لهذه الوسائل، وهو متنفس حقيقي يشبه الصراخ في الغرف الموصدة، الذي ينصح به بعض أطباء النفس، لكي يحس الإنسان المتورم نفسيا بالراحة. .
  قبل عقود من الزمن كانت النشرة الجدارية هي متنفسنا الوحيد، ثم انتقلنا الى متنفس المنشورات السرية، ثم الكتابة على الجدران. وفي المهجر كانت الجريدة والمجلة هما القناة التي توصل صوتنا الى الآخرين. لكن مواقع التواصل، سيما الفيسبوك، تختلف عن الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية، في قدرتها على تعميم الرأي ونشره، مهما كان تافهاً أو عميقاً بنظرنا؛ لأن كل من يستطيع النقر على الكيبورد بات بامكانه إيصال صوته.
  أتذكر في مطلع الثمانينات؛ حين كنا نمتهن الكتابة والصحافة في مجلات وصحف وإذاعات المعارضة؛ كان عددنا لايتجاوز الأربعين كاتباً، مقابل مئات الآلاف من قرائنا ومستمعينا. وقد كنا الوحيدين القادرين على التعبير والتنفس عبر الجريدة أو المجلة أو الإذاعة، ثم التلفزيون في مرحلة لاحقة. وكان الآخرون، الذين يريدون أن يوصلوا أصواتهم الى الناس، يطلبون منا أن نكتب عن هذا الموضوع ونتحدث عن ذلك الحدث. أي أن الصحافة والإعلام والكتابة كانت ميزة، وكانت احترافا ومهنة، بل كان في الكتابة قدر كبير من الخوف والرهبة والاحترام.
  أما الآن فقد انقلبت الأمور رأسا على عقب، إذ بات الجميع يعبّر للجميع، وهو حق مشروع في الأساس، لكن المشكلة هو اختلاط الحابل بالنابل، وتساوي العالِم والجاهل، بل باتت الكتابات الأكثر مشاكسة والأقل عمقاً والأضعف لغة، هي الأكثر تأثيراً وانتشاراً وتفاعلاً من الكتابات المهمة العميقة.
مثلا: كاتب معروف ينشر مقالاً مهماً رصيناً على الفيسبوك، بلغة احترافية ومنهج علمي، وحول قضية حيوية، وتأخذ كتابته عدة ساعات أو أيام من وقته، لكنه يستقطب بضع عشرات من الإعجابات وتعليقات قليلة، قياساً بشخص آخر مبتدئ، ينشر جملة واحدة بسيطة جداً، لاتأخذ من وقته دقيقة واحدة، لكنها تجلب مئات اللايكات والتعليقات، وتصل المبالغة أقصى حدودها حين تكون كاتبة الجملة بنت. 
  ما أريد قوله: أن الفيسبوك حطّم أغلب المعايير التقليدية في النشر، وأبرزها:
1- مستوى الكتابة ومستلزماتها البديهية، كاللغة وقواعدها، والاملاء والبلاغة، والفكرة وهيكل الموضوع، وحجم المنشور.
2- مساحة النشر العام؛ فبات المنشور ( البوست)، بصرف النظر عن مستواه، يصل الى آلاف، بل ملايين الناس، في كل زاوية في العالم، بينما كانت الكتابة محتكرة مهنياً ومحدودة جغرافياً.
3- مقياس التفاعل؛ فقد بات التفاعل مباشراً وفور النشر، عبر تسجيلات الاعجاب والتعليقات والرد والرد المباشر، وبصورة لا قيد ولا حد لها.
4- قدرة التأثير الاجتماعي؛ إذ باتت منشورات الفيسبوك، بصرف النظر عن كتّابها ومستوياتهم، قادرة على التحريك الاجتماعي بصورة هائلة، بما يوازي الخطب الحماسية التي كان يلقيها القادة وسادة المنبر.
5- ضياع المعايير الاخلاقية؛ فقد كان حجم قدرة الكاتب على التضليل والكذب والاختلاق والافتراء أقل بكثير جداً في عصر الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية؛ مما يحصل الآن في عصر الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي. فالكذبة اليوم، وإن كان صانعها ومطلقها إنسان بسيط؛ فإنها تنتشر خلال بضع ساعات، كالنار في الهشيم، وبجميع اللغات، والى كل زوايا الكرة الأرضية. وخلال نشرها وتعميمها، يندر أن يتوقف الناقلون عند التدقيق فيها وتمحيصها؛ إذ لا وقت لديهم ولا صبر، لأن ملايين البوستات تنشر يومياً، وأغلب الناس يستمتعون في نقلها وتعميمها، بل يتسابقون. وكلما كبرت الكذبة والإساءة؛ كبر معها حظها في سرعة الإنتشار وحجمه .
  ولاشك عندي؛ أن أطباء النفس وعلماء النفس الاجتماعي سيعلنون قريباً عن أمراض شخصية واجتماعية اسمها أمراض الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي.

الكاتب: د. علي المؤمن

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

تعليقات

أحدث الاخبار

مسؤول نفطي عراقي سابق يكشف تعرضه لابتزاز إلكتروني بفيديوهات مفبركة ومطالب مالية ضخمة

مسؤول نفطي عراقي سابق يكشف تعرضه لابتزاز إلكتروني بفيديوهات مفبركة ومطالب مالية ضخمة

2026-06-25 16:38 134
باكستان ترد على أنباء محاولة إسرائيل اغتيال قائد جيشها في سويسرا

باكستان ترد على أنباء محاولة إسرائيل اغتيال قائد جيشها في سويسرا

2026-06-25 12:05 676
تصويت جديد في مجلس الشيوخ يمنح ترامب ضوءاً أخضراً تجاه إيران

تصويت جديد في مجلس الشيوخ يمنح ترامب ضوءاً أخضراً تجاه إيران

2026-06-25 09:14 736
النفط تنفي أنباء تلويح العراق بالانسحاب من أوبك وتؤكد العمل لرفع الإنتاج

النفط تنفي أنباء تلويح العراق بالانسحاب من أوبك وتؤكد العمل لرفع الإنتاج

2026-06-25 13:22 2925
العراق وسوريا يوقعان تفاهماً لتعزيز التعاون بإدارة الموارد المائية المشتركة

العراق وسوريا يوقعان تفاهماً لتعزيز التعاون بإدارة الموارد المائية المشتركة

2026-06-25 13:02 3071
محافظة كربلاء تبحث الاستعدادات الخاصة بخطة النقل للزيارة و التفويج العكسي

محافظة كربلاء تبحث الاستعدادات الخاصة بخطة النقل للزيارة و التفويج العكسي

2026-06-25 11:11 3336
الذهب يواصل خسائره بعد كسر حاجز أربعة آلاف دولار للأونصة

الذهب يواصل خسائره بعد كسر حاجز أربعة آلاف دولار للأونصة

2026-06-25 09:58 3963
قطر تودع كأس العالم بخسارتها أمام البوسنة بثلاثة أهداف لهدف

قطر تودع كأس العالم بخسارتها أمام البوسنة بثلاثة أهداف لهدف

2026-06-24 23:59 6019
حقي الخالدي قائداً لعمليات الحشد الشعبي في الأنبار

حقي الخالدي قائداً لعمليات الحشد الشعبي في الأنبار

2026-06-24 21:06 8407
العراق يؤكد للإمارات رفضه الحرب والتصعيد العسكري والحل عبر الدبلوماسية

العراق يؤكد للإمارات رفضه الحرب والتصعيد العسكري والحل عبر الدبلوماسية

2026-06-24 22:47 8197
القيادة المركزية الأمريكية تعلن مقتل قيادي كبير بداعش في سوريا

القيادة المركزية الأمريكية تعلن مقتل قيادي كبير بداعش في سوريا

2026-06-24 20:13 6623
هيئة الجمارك تعلن اعتماد التحقق الإلكتروني للشهادات والفواتير اعتباراً من هذا التاريخ

هيئة الجمارك تعلن اعتماد التحقق الإلكتروني للشهادات والفواتير اعتباراً من هذا التاريخ

2026-06-24 20:02 6436
توجيه بإيقاف الضخ وتقليص الإنتاج في حقل غرب القرنة بمحافظة البصرة

توجيه بإيقاف الضخ وتقليص الإنتاج في حقل غرب القرنة بمحافظة البصرة

2026-06-24 18:11 6925
الدولار ينهي تداولات الأربعاء على ارتفاع في بغداد وتراجع في أربيل

الدولار ينهي تداولات الأربعاء على ارتفاع في بغداد وتراجع في أربيل

2026-06-24 17:00 7832
الداخلية تكشف بالأرقام حجم الشائعات المتداولة خلال الأسبوع الأول من محرم

الداخلية تكشف بالأرقام حجم الشائعات المتداولة خلال الأسبوع الأول من محرم

2026-06-24 16:01 7295
ترامب يكشف تفاصيل جديدة بشأن التفاهمات مع إيران

ترامب يكشف تفاصيل جديدة بشأن التفاهمات مع إيران

2026-06-24 15:55 6620
بالأرقام... تصاعد الدين الداخلي للعراق وتراجع مستمر في الديون الخارجية

بالأرقام... تصاعد الدين الداخلي للعراق وتراجع مستمر في الديون الخارجية

2026-06-24 14:30 7433
مونديال 2026: العرب في قلب المنافسة.. وضربات الإصابات تسبق مواجهات الحسم

مونديال 2026: العرب في قلب المنافسة.. وضربات الإصابات تسبق مواجهات الحسم

2026-06-24 13:39 7961